دراسات الجدوى .. من المستفيد ؟!

يقول: “على طارئ مشروع البلاستيك، طلبوا مني تقديم دراسة جدوى! ذهبت إلى أحد مكاتب الاستشارات فقال لي: 25 ألف ريال!” فرد عليه صديقه: “إحمد ربك! اليوم في العمل، وقّعنا عقد لدراسة مشروع استثماري لمصنع بلاستيك بـ 120 ألف!!” تعكس هذه الأحاديث مستوى الوعي المالي والريادي لدى الأفراد وحتى المؤسسات. دراسة الجدوى، وهي عمل منظم موضوعي لتحديد جدوى المشروع بالمقارنة بين الجهد الذي يبذل فيه مع القيمة التي ستجنى منه، تشكل نقطة محورية في الوعي الريادي. تقوم دراسات الجدوى على التنبؤ المدروس والتخطيط الواقعي لمقاربة الحقيقة قدر الإمكان واتخاذ قرار يؤمل فيه النجاح.

لدراسات الجدوى، أو ما تعارف على تسميته كذلك، عدة أشكال وأغراض. هي مستندات أو أعمال تختلف عن بعضها على حسب طبيعة الإجابة على بعض الأسئلة البسيطة: ماهي طبيعة المشروع؟ من المستفيد هذا المستند؟ وما هو نوع القرار الذي يساعد على اتخاذه؟! قد يقال دراسة جدوى مبدئية أو تفصيلية أو فنية، وقد يقال أيضا خطة عمل أو مقترح تنفيذ. لهذه المصطلحات عند المؤسسات المهنية الكبيرة معانٍ محددة ومخصوصة، في حين تختلط المعاني عند المؤسسات الأصغر حجما، وكذلك عند رواد الأعمال. لا يجب على ريادي الأعمال أن يستوعب كل تفاصيل هذه الإختلافات ولكن، على الأقل، عليه التمييز بينها بإعتبارها طرق مختلفة لتحديد جدوى أو خطة مشروعه، ليحدد احتياجه منها ويستخدمها بالطريقة الأمثل.

تختلف هذه الطرق حسب المرحلة التي تكون فيها الفكرة، فصاحب الفكرة قد يجس النبض أولاً ويرمي الأحجار في مياة الآخرين محاولا التعرف على صدى فكرته دون الإفصاح المباشر عنها. بعد ذلك قد يستخدم بعض النماذج والطرق الحديثة لقولبة فكرته في أحد النماذج القياسية، كبوصلة نموذج الأعمال، التي تشرح الفكرة وتبرز طريقة ربحيتها ومقوماتها الأساسية. وهنا قد يستمر ببعض التحليلات الأولية للمعلومات التسويقية والاقتصادية حتى يصل إلى توقعات مالية منطقية، تؤكد –أو تنفي- جدوى المشروع وجدوى المضي فيه.

بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة مختلفة حين لا يحاول إقناع نفسه فقط، وإنما إقناع الآخرين كذلك. مِن هؤلاء: الشريك (المستثمر) والممول (الداعم)، والتفريق بينهم مهم جدا. المستثمر أو الشريك يبحث دائما عن مشروع كفيل بفرض نفسه على المدى الطويل، عن آمال توسعية وقدرات ريادية تجعله يتبنى الفكرة والمشروع وصاحبهما. بينما الممول في المقابل يبحث عن مايضمن عودة أمواله أولاً، ثم تحقيق أهدافه المحددة، سواء كانت تحقيق العائد عن طريق التمويل –كالبنوك التجارية- أو دعم مشاريع معينة – كبرامج الدعم الحكومية. تحديد نوعية المستفيد من التقرير والتعرف على أهدافه الخاصة يمكن الريادي من معرفة الطريقة المثلى لعرض المشروع، سواء كان بإثبات جدواه أو بإيضاح خطوات تنفيذه، وهذا بطبيعة الحال لن يغير من قيمة المشروع التي ترتبط أساسا بالريادي وفكرته وبيئة العمل، ولكن سوء العرض قد يفقده فرصة النجاح.

تتجه النماذج الريادية الغربية اليوم، خصوصا تلك التي تتبنى أسلوب الإدارة الرشيقة، إلى إعفاء الريادي من هذه البيروقراطيات الإدارية للتخفيف من وقع دراسة الجدوى المُنهِك له وللمشروع. وهذا بالتأكيد لايعني أن يدير أعماله بالفوضى المطلقة ويخوض المخاطر بلا حساب! ولكن متى ما زاد وعي الريادي سيتمكن من فحص قرارته بعناية وحرص، ويحصل على مراده بتمازجٍ ذكي بين المعرفة والحدس وليس بتقارير قياسية يعدها آخرون له. وهكذا، لا يضيع وقته فيما لا يفيد، ولا يتحدث كثيرا ويترك فرصة الفهم والعمل سانحة أمامه، بل يعمل بجد للإستفادة من هذه الأدوات في سباقه مع المنافسة، والمخاطرة، والزمن!

* نشر في الاقتصادية الالكترونية بتاريخ 18 يوليو 2012

 

 

 

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة ومالية, حسابات الريادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: