يعتقد بعضنا بأنه مُنصف (من تلبيس اللعين إبليس إذ يجعل الشخص يختال بعدله و إنصافه) عندما يقول لنفسه أو لأحد المقربين منه:

“أنا أعترف بأني أحيانا أعصّب و(أخرج عن طوري) و (يرتفع ضغطي)! و لا أنكر هذا.. وهو عائد لمزاجي الخاص وتفاعله مع سلوكيات البعض المزعجة!”

هو يظن بأن حديثه عن هذا العيب و إقراره بمشكلته و تبريره لإنفعاله المبالغ فيه وتجاوزه على مشاعر الغير، يشعره بنوع من الرضا فهو -على الاقل – صادق مع نفسه واضح مع الآخرين. فيقول مثلا:

“عندما أعمل لا أريد ولا أتحمل أي إزعاج، ومن يزعجني يتحمل نتيجة ذلك”

و هنا في الحقيقة أكثر من مسألة.

الاولى: هل الإعتراف بالمشكلة يخفف من أثرها على الأخرين؟ الجواب: لا!

عندما “تعصّب” على أطفالك أو أختك مثلا فلن يتغير حجم التجني على المشاعر، سواء كانوا يعلمون بأنك من النوع العصبي أو يظنون بأنك من النوع الهادئ. الإهانة ذاتها دائماً بنفس المقدار والنوعية في كلتا الحالتين، قد يخال لك بأن وقع الإهانة أخف بعد التعود.  لكن حتى لو اعتادوا على عصبيتك، فلن يهوّن هذا من مقدار الإهانة. تقبلهم للإهانة والتجريح لا يعني بأن التجاوز قد قلت قيمته او قل تأثيره، فالسكين الحادة تجرح بإستمرار، ومرورها على نفس الجرح لن يشير إلى إلتئامه. يكمن الإحساس الخدّاع في أن من اعتاد الإهانة لن يتحمس لمقاومتها، وهذا من أقسى درجات التجني على أحبائنا. فنهينهم ثم نسلب منهم قدرة ومتعة مقاومة الإهانة.

الثانية: لو كانت العصبية والزعل و”قفلة المزاج” خاصة بك انت، هل تأثيرها على الأخرين لا دخل لك فيه؟! الجواب: طبعا لا.

إدخال الأحباء الأبرياء الى دائرتنا السوداء جريمة عاطفية من الدرجة الولى. مشاعر الآخرين ترتبط (بنا) شئنا أو أبينا وهي ليست (ملك) لنا ولا يحق لنا تدميرها ثم تبرير ذلك بالاستقلالية أو الوحدانية أو الخصوصية و المزاج أو الظروف. هناك حدأ أدنى من احترام ذوات من حولنا وتقدير مشاعرهم، وهذا ضلع الحرية الطاهر الجميل، إذا تجاهلناه أو كسرناه، هبطنا بحريتنا و استقلالنا إلى الدونية والخسة، حيث لا قيمة لها حين إذن.

الثالثة: نختار وقت الزعل ونقول: لا نريد لأحد أن يزعل معنا، ونختار وقت الفرح ونقول: افرحوا معنا، ونعتقد بأننا بذلك عظماء و متفضلين على الآخرين! هل يحق لنا هذا؟؟! مرة اخرى: لا!

 لأن من يحبنا ويفرح لنا لن يبتعد في أوقات الزعل والإنسان بطبعه يشعر بمن يحب في السراء والضراء ولن يستطيع أحد ان يسيطر على الاخرين بخصوص هذا، ولو حاول. فتبرير أذية الآخرين بإنفعالاتنا و “عصبيتنا” بأن نضع لوحة فوق رؤوسنا نقول فيها: “أنا زعلان ابتعد، وأنا فرحان إقترب” هي في حقيقتها من أشكال الأنانية! لأن تحقيق ماتقوله اللوحة غير ممكن، و الدعوة إلى ذلك توسيع لحرية شخصية مضطربة على حساب مشاعر الآخرين.

مشاعر الآخرين تصبح جزء من مشاعرنا وتتفاعل في أنفس الآخرين بناء على تصرفاتنا نحن! حتى من يبتعد ويترك الناس ويذهب إلى آخر الدنيا، ستجد من يعطف عليه، أو يحزن له، أو يفرح بذلك. لذا، من المسئولية أن نراعي الآخرين ونحذر من أن نخلط بين تجاوزاتنا على مشاعرهم وبين حريتنا أو استقلالنا.

القليل من التقدير والإحترام و(الهدوء) والمرونة، إضافة إلى حفنة من كنز العرب (الحلم)، وبعض صمت العقلاء، و(طول البال) و (النَفَس) الوسيع، كل ذلك كفيل بأن يمسح الرعب الذي نصنعه قلوب أطفالنا، وهالة الإحباط الصاخب التي يراها الآخرون حين نقبل إليهم فهي تحيط بنا من حيث لا نعلم، ونهذب بذلك حشائش الإزعاج العاطفي التي نزرعها في صدور أحبائنا، فقط لأننا نظن بأننا…. “عصبيون” ولانريد إزعاج أحد!

Advertisements

رأي واحد حول “مشاعر الآخرين… يا “عصبي”!!

اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: