المشروع الريادي ورحلة الأرقام

 

يمر المشروع الريادي بمراحل متعددة تبدأ بالفكرة وتمر بدراستها وتنفيذها وحتى نجاح هذا المشروع ونموه أو بيعه والخلاص منه. سيقف الريادي بإستمرار، خلال كل هذه المراحل، عند الأرقام والحسابات. وذلك حين يضطر إلى تحليل وقراءة الكثير من الأرقام، خصوصا تلك التي تخص النقود والأرباح، إضافة إلى باقة من الاعتبارات النوعية التي ستساعده في النهاية على اتخاذ قرار ما. حتى الريادي الإجتماعي كذلك، مادامه يسعى لصنع الأثر الإجتماعي عن طريق التعاطي مع الثروات أو الموارد المتاحة له، فرحلته مع الأرقام أكيدة ومستمرة لإتمام مبادرته.

 

تبدأ رحلة المشروع الريادي مع الأرقام في مرحلة مبكرة جدا، وذلك عن طريق الفكرة التي تعترض تفكير الريادي وتستوقفه. بل قد تسبق هذه الأرقام الفكرة نفسها حين يكون المحفز هو مجرد رقم يشجع الريادي على استمرار التفكير. فنجد مثلاً من يستخدم منتج معين ويقول في نفسه: لو تم بيع عدد كذا من هذا المنتج، فكم من الناس سيستفيد؟ كم سيحصل البائع؟ بكم سيشتريه وبكم سيبيعه؟! تجول هذه الأسئلة في عقول الكثيرين في تمازجٍ مع أفكارهم الريادية وهي في طريق التبلور والنضوج، فتكوّن بذلك دراسة جدوى بدائية للمشروع الذي ما يزال قيد التفكير.

 

وهكذا، تبدأ مرحلة آخرى أكثر جدية، وذلك حين يطرح الريادي فكرته على الورق – أو على الحاسوب بطبيعة الحال- ويقوم بالتفصيل فيها من عدة جوانب، ومن بينها الجانبين الإقتصادي والمالي. يقع هذا الجزء ضمن خطة العمل أو دراسة الجدوى التفصيلية (وهناك فرق بينهما). وفي كلاهما تكون اغلب الأرقام المستخدمة مستندة على التوقعات والتقديرات. تكسب هذه الأرقام حيويتها من ملائمتها للفكرة وقوة ارتباطها بها، إضافة إلى قدرتها على بناء الإجابات وتدعيم توقعات الربحية والنقدية المشروع.

 

إذا توافقت معطيات المشروع مع الواقع وابتسمت للريادي الأرقام، سينتقل لمرحلة جديدة في رحلته وهي تحديد مصادر التمويل –ذاتية مثلاً أو خارجية- وتحديد الموردين وطبيعة العلاقة معهم. وبناء على طبيعة هذه المصادر يبدأ الريادي في جولة جديدة من الإحتساب والمعالجة يتبعها بخطط للسيولة النقدية على المدى القصير والمتوسط، على الأقل. وبما أن التخطيط إجراء مهم جداً قبل كل خطوة مهمة، تعتبر الموازنة أو ال ((Budget – وهي مجموعة من تحليلات التنبؤ – من الضروريات في حياة الريادي. على أقل تقدير، يجب أن يتمكن الريادي من التخطيط لأرصدة النقد وحركات الدفع والتحصيل بجدول زمني تقديري، وذلك لكي يتمكن من تصور حالة سيولته النقدية في الفترة القادمة والإحتياط لأداء إلتزاماته بلا تقصير.

 

حين يعتقد الريادي بأنه ابتكر فكرة جيدة، وأتبعها بفحص وتمحيص ملائم، وحدد مصادر التمويل، وخطط لحركة النقد، فهو إذن قد اقترب كثيرا من بدء العمل الحقيقي. بذلك، لم يبق له إلا الفسوحات والتصاريح ليضع أول لبنة تأسيسية في مشروعه، سواء كانت عقد إيجار أو شراء بضاعة أو معالجة مواد. عند بدء العمل يدخل الريادي إلى عالم المحاسبة المالية الحقيقي، حيث يقوم بتسجيل أثر هذه العمليات وتجميعها ليصبح عنده سجل محاسبي لكل نوع من هذه العمليات. بإستخدام القواعد المحاسبية، يكوّن الريادي مجموعة من الحسابات التي سيعالجها لإعداد تقارير دورية منتظمة. هذه التقارير المحاسبية هي ما سيُنظر إليها في النهاية لمساعدة الريادي في اتخاذ القرار.

 

في نهاية الرحلة سيستخدم الريادي الأرقام والتحليلات في قرار توزيع الأرباح أو تسييل المشروع أو الإستمرار والتوسع أو حتى قرارا بالإندماج مع شريك آخر. لا يغيب على أحد بأن هناك الكثير من الأرقام والإعتبارات الغير مالية التي يجب التعامل معها كذلك، كمعدلات ونسب الناتج والتالف من البضاعة وغيرها من الأرقام. خلال هذه المحطات قد يحتاج الريادي إلى المساعدة أكثر من مرة، وبالتأكيد، الإعتماد على برامج جداول البيانات (كالإكسل مثلا) و غيرها من البرمجيات الآخرى يكاد يصبح اليوم ضرورة لكل من يتعامل مع الأرقام. وبهذا، تنتهي رحلة المشروع الريادي مع الأرقام والحسابات، وقد تم عرضها بإختزال لتوضيح مختلف مراحل هذه الرحلة مجتمعة.

*نشر في الإقتصادية الالكترونية بتاريخ 4 يوليو 2012

 

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة ومالية, حسابات الريادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: