الهدر التواصلي

تنسب لإلينور روزفلت زوجة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عبارة تقول : “العقول العظيمة تناقش الأفكار، العقول العادية تناقش الأحداث، و العقول الصغيرة تناقش الأشخاص”. تشير هذه العبارة الرائجة إلى طبيعة ما يُتداول وينال إهتمام الناس. لا يجب أن تُفسر العبارات و الجُمَل ذات الجمال الآخاذ بناء على جاذبيتها فقط، فهذه العبارة لا تعني : إما أن يرتقي الشخص ليكون من الحكماء و إلا فهو من العامة أو التافهين. هي تحكي عن صورة سائدة في مجتمع ما.

 

وعلى الرغم من أن هذه الصورة قد تتكرر في مجتمعات آخرى، لكنها بالتأكيد قابلة للتغيير، بما في ذلك التطوير للأحسن. في محيط التواصل الإجتماعي، تتجسد هذه الحِكَم الجميلة و كأنها أصنام مجازية كانت في زمن ما مفعمةٌ بالحياة، و اليوم هي مجرد قوالب قابلة للكسر. و إن تراءى للبعض فيها علامات الحياة فحقيقة بعض الأقوال الجذّابة أقرب للخُدع الدائمة التي تتنقل بين الأزمان بدون أن يختبرها أحد.

 

جُبل الإنسان الساعي للبقاء في هذا الكوكب الجميل على التواصل، واعتاد ذلك في بيئته، ويعتمد عليه حتى لحظة وفاته. وبرسائل التواصل الصغيرة يصنع الأفراد رسائل حياتهم، سواء كانت أقرب للخير أو الشر أو حتى للحياد الذي قد تتلاعب به الريح. اليوم، نجد أننا نعيش في تيه تواصلي عجيب حيث العديد من القنوات و الوسائط المختلفة، سواء كانت تقليدية كالمجالس و الديوانيات و ما يُتصل به خلال الفسح و الاستراحات أو تقنية حديثة كالهواتف و الإنترنت و مايحتويه. الغريب هنا بأن الكثير من أوجه التواصل هذه لا تمت لمحافظة الإنسان على البقاء بصلة، بل هي على الأغلب من الرفاهية الصرفة.

 

اللافعالية في ربط كياناتنا ببعضها البعض وتدنى مستوى التفاهم الداخلي بينها وكل ما يخل بكفاءة التواصل في المجتمع، هو هدر تواصلي بإمتياز. فداخل الطاقة و خارجها مهدر ولا ينتج إلا جعجعة بلا نتائج. فلا معارف بناءة تتنقل و تسيح بإتجاه محاور الاستفادة ولا آثر لتوافق بين الأطراف يُعكَس على أرض الواقع نتيجة لهذا الحراك التواصلي. بل و نجد إنغماساً في الصخب و الفوضى، في حين أن الحضارة تبحث عن التعمق في التناسق والتناغم.

 

هل نعيش اليوم أزمة هدر تواصلي؟ هل تجاوزت هذه الأزمة الإخلال بالكفاءة و أهدرت الطاقات حتى عزلت بين جهودنا و النتائج، و كأننا نحفر قنوات مياهنا في رمال الصحراء؟ أهذا هو المانع الحقيقي لحل مشاكلنا؟ هل خلل التواصل الناتج عن فقدان أدب الحوار هو السبب؟ أم أن إنشغالنا بأعمال تواصلية لا تمت لأسباب بقائنا بصلة هو طاعون الأمم التي “تناقش الأحداث و الأشخاص”؟ أم أن لقنواتِ التواصل صنابيرٌ صدئة وبركٌ راكدة لا يعبر منها الماء إلا بإنضغاط، و هو لا ينضغط! أو يتلوث فيفقد بعض أهم خصائصه كالصفاء و العذوبة.

 

بالتأكيد هناك حالة متقدمة و معقدة من الهدر التواصلي، و تأثيرها واضحٌ على مختلفِ تركيباتنا الفردية و المؤسسية. بغضِ النظر عما إذا كانت هي سبب وقوف عملية التقدم الحضاري أو فشل الخطط التنموية أو استغراق مجتمع ما في كلام “الأحداث و الأشخاص”، إلا أن الهدر التواصلي أقرب للشر من الخير و للتدمير من الإعمار و للإهلاك من البقاء، و هو يتعارض مع رغبات و حاجات كل إنسان واعٍ و متفق مع أهداف حياته و أسباب وجوده.

 

* نشر بالاقتصادية الالتكرونية بتاريخ 5 يوليو 2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: