ابتكار النماذج وشباب العطاء

من أكبر مشاكلنا اليوم انعدام الثقة، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال بأن إرجاعها مستحيل. المهم هو أن تتعدد المحاولات بالإصرار والتحدي، بعد الفهم الجيد طبعاً. نشاهد اليوم العديد من قصص الإنتاجيين الجدد، سواء كانوا شباباً أو فتيات، رواد أعمالٍ أو متطوعين – ممن يقدم لمجتمعه العطاء والبذل – وهم ما يزالون في مقتبل العمر. إلا أن الرهبة الإجتماعية والقلق الإقتصادي ما يزال يسيطر على الكثير من الأعداد الآخرى المترددة في الإنضمام إلى هذه الفئة المميزة التي تقوم بغرس وحرث الحقول لمستقبل الجميع.

هؤلاء المترددون هم من أعضاء المجتمع الفاعلين، لكنهم ما يزالون في طور الإنتقال من التردد والاستماع إلى مرحلة التفاعل و الانتاج. وبما أن فرصة التأثير متاحة من الجميع، سيتحمل الجميع وزرهم إذا فشلوا. لذا، يتجلى هنا دور المبادرة بالوسائل الذكية والأساليب البراقة المؤثرة، خصوصاً تلك المبتكرة التي تسعى إلى معالجة ما استعصى على – و ما نتج من – أجيال الماضي، سواء سميّت هذه المشاكل ترسبات أو متراكمات إجتماعية أو حتى طيش!

وتطبيقاً لذلك، لابد و أن تتصالح هذه المبادرات الفردية و المؤسسية مع ابتكار النماذج. الابتكار ليس حصراً على منتجٍ يؤكل أو خدمة تقدم و تستهلك بطريقة مباشرة. الإبتكار في حدّ ذاته تجديدٌ مبدع في كل ممكنٍ و متاح. ومن ذلك، ابتكار النماذج، واقصد به نماذج الموائمة بين الأفراد والمؤسسات لإنتاجٍ أفضل و أتقن. على سبيل المثال، قد لا تحل اللجنة التقليدية مشكلة ما، فيشرع مسئول ذكي و شجاع إلى تشكيل فريق عمل بآلية مبتكرة، فتحل المشكلة بطريقة مغايرة. و كذلك نجد أن الجهات التي تحاول دعم المشاريع و تبتعد عنها (كالبنوك مثلاً) تفشل في التعاطي المهاري مع المستفيد فلا تستفيد، و إذا اقترتب منها كثيراً (كبعض المؤسسات الداعمة الجديدة) تحد من حرية صاحب المشروع أو من قدرتها الإستيعابية لفرص الدعم. لذا، فالحل الأنجع يكون دائما بإبتكار صيغة إبداعية خاصة، تخدم الهدف و تطابق الحاجة، أليست الحاجة أم الإختراع ؟!

استجابة لحاجة مُلحّة، أطرح هنا فكرة ابتكارية بسيطة تقوم على مبدأ “اللعب في المضمون”َ لتعالج مشكلة إنعدام الثقة لدى الشباب. نجد الآن الكثير ممن يبحث و بشدة عن أي وظيفة مضمونة الراتب رتيبة المتطلبات ولكن المهم، تشعره بالإستقرار. في حين، نجد أن دعوات الكثير من الجهات الداعمة للأعمال الريادية والمشاريع الصغيرة، تقابل بزخمٍ قلما ينعكس إلى واقعٍ حقيقي. و إذا استبعدنا النسبة التي تنجح في تشغيل هذه المشاريع، و استبعدنا كذلك النسبة التي تفكر فيها و تستجيب للدعوات، نجد أننا نعود إلى الفئة الأولى التي تبحث عن الوظيفة المضمونة الرتيبة المستقرة. و هذا راجع لإنعدام الثقة في مدى إمكانية نجاح الحلول الأخرى.

الفكرة هي عبارة عن ابتكار نموذج من المشاريع قابل للتطبيق على الكثير من الأعمال القائمة و الجديدة و يدعم الشباب بكسر حاجز الثقة لديهم، و يستفيد منه الجميع بما فيهم التاجر الخبير الناجح والمحب لوطنه. هذا النموذج أشبه بعملية إنقسام الخلايا بعد اكتمال عناصرها، مع ترك خيار الإنقسام للخلية الأم، أو حتى الخلية التي لم تولد بعد! بإختصار، ينشئ التاجر في مشروعه التجاري القائم صيغة قانونية مناسبة لنموذج تجاري قابل للتجزئة و الإنفصال، و لو جزئياً. يتم توظيف الشاب براتب مناسب لمؤهلاته وللوظيفة في هذا المشروع، ثم إن حقق الشاب شروط النجاح خلال فترة محددة، يحق له تملك جزء محدود من المشروع (مثلا، مستودع من مجموعة مستودعات، أو نسبة من وحدته التي يعمل فيها) بشروط معينة تشبه شروط الامتياز التجاري و لكن الفرق أن الشخص يبدأ موظفاً عادياً. فلا يبدأ الشاب بالإستقلال إلا بعد كسر حاجز الثقة و التأكد من قدرته على إدارة هذه الجزئية من العمل كما يجب. ثم إن الملكية الجزئية قد تحتوي على شروط تضمن استمرار الشاب في تقديم خدمات شركته الجديدة للشركة الأم و تضمن بقائها كجهة مانحة للثقة و المعرفة- تبنّي إقتصادي متكامل. تدريجياً و بطريقة شبكية، يستطيع هذا الشاب المستثمر المنتج توظيف غيره، و بدء نفس الدائرة من جديد.

وهذا النموذج يختلف عن تملك أسهم الموظفين لأسهم الشركة، لأنه قد يتملك قطاع معين مخصوص في الشركة و قد يجد الفرصة في شركة ليست مساهمة أصلاً، إضافة إلى اعتماده على النموذج الريادي.

هذا مجرد مثالٍ على ابتكار النماذج الذي نحتاجه اليوم، و قد نغير به الكثير عندنا، بل في العالم كذلك، فقصة التمويل الأصغر و ما فعله محمد يونس في تلك القرية البنقلاديشية ما تزال تتسع في كل الأبعاد حتى اليوم. قد يصنع هذا التغيير الطفيف (حسب نظر البعض) الإضافة الإقتصادية الحقيقة على أرض الواقع و يولد الوظائف المنتجة و يمكن التاجر النبيل من تحقيق الدخل الإجتماعي الذي يطمح له كل معطاء غيور على وطنه. كل ما قد ننتظره هنا، هو دعم ابتكار النماذج كما يتم اليوم دعم ابتكار المنتجات و الخدمات، و إلى تحرك شبابنا القانونيين المبدعين و تعاونهم مع الجميع، للمساعدة في نقل ابتكار النماذج إلى أرض الواقع بأسرع وقت.

*نشر في الإقتصادية الإلكترونية بتاريخ ٢٣ مايو 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬817 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: