هل لديك مروءة ؟!

 

يُختلف دائماً بخصوص التصرف الأفضل في الأزمات الأخلاقية، و تتفاوت وجهات النظر حول المخرج الأجود في حماية حقوق البعض في المواقف الصعبة، بل و قد نرى تعارض العديد من السمات الأخلاقية الجيدة بسبب حالة خاصة نظن أنها ورطة أخلاقية حقيقية. فهل الحصول على حق مشروع يبرر دفع المال، من تحت الطاولة؟ أم أن إثبات المسئولية و الجدية للوالدين يستدعي السعي، و البعد عنهما؟ أم أن النجاح الشخصي يستحق الإستقلالية عمن حولنا، و تجاهلهم؟!

 

هذا المقال لا يحاول الإجابة على هذه المواقف التي تختلف من وضع لآخر و تستحق منا نظرة عميقة و مراجعة مستمرة لمبادئنا. و لكن، سيراجع خلقاُ عظيماً تقع تحت شمائله بعضاً من الحلول التي نحتاجها في مواقفنا كل يوم.

 

لم يظهر للمروءة تعريف محدد واضح، فهي صفة شخصية لحالة تجدها في كتب التراث العربي و الإسلامي و ليس لها مقابل واضح في المتداولات الأخلاقية العالمية الحديثة. وهذا ما يضفي عليها ميزة خاصة جداً، إذ أنها حالة لم تكتشف – كما نعتبرها نحن في ثقافتنا- من الحضارات الآخرى على رغم من جمالها الإنساني الآخاذ.

 

تشير معظم التعاريف إلى أن كلمة مروءة هي من المصدر: مرأ، و هو بمعنى طَعِم (على وزن فَقِه، وهو نفسه مصدر امرأة وامْرِئ للمرأة و الرجل) و تعني اصطلاحاً عند البعض كمال الرجولة أو دافع الأخلاق الحسنة أو العفة في الآداب و النبل في السلوكيات و الحرص على جميل الفعل والقول. أحد أضبط التعريفات يصفها بأنها: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. المروءة خُلقٌ في غاية النبل والرقي و هو قد تجاوز مسألة التحديد و التعريف فأصبح يعمم بالألفاظ الجميلة، و يُذكر عند الإحساس بأن أخلاق أحدهم لم تخدم الموقف الأخلاقي كما يجب، في تلك اللحظة لا ينقذ الموقف إلا المروءة. و هذا إبداع و إبتكار سلوكي، قلما يُوصف و لكنه يحدث.

 

من أوضح الطرق في استيعاب مفهوم المروءة هو مقارنتها بفكرة الإحسان في الإسلام وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. كذلك المروءة، و لكنها ليست مفهوم عقدي وإنما مفهوم أخلاقي يتعلق بإلتزام حسن الأدب و الأخلاق و كأن الشخص يتعاطى في الخفاء مع نفسه كما في الظاهر. سريرته مكشوفه للجميع، سواء كانوا أناس أو أفكار، وهو في حالة توافق مستمر – لا تناقض – بين مبادئه و سلوكياته.

 

لذا، فصاحب المروءة هو أكثر من تحركه المبادئ، و يعتمد عليها في تصرفاته، ويتطابق ما يفعله مع ما يقوله، ويفزع دائماً لمساعدة المحتاج بالطريقة الأسلم، ولا يفترض سوء نوايا الآخرين، بل يقدم الخير و هو عليه أقدر. المروءة من أجمل الحالات التي قد يتخلق بها إنسان، ليس لأنها أفضل أو أجمل بل لأنها في الحقيقة مظلة أخلاقية للعديد من الأخلاق الجميلة. بل هي مصنع للسلوك الفاضل و آلة لبث التصرفات الحسنة و حيز لإطلاق التفكير الحكيم. للمرء أن يفخر أيما فخر – في دواخله – إذا سعى أو حاز على المروءة. فصاحب المروءة يفخر كما يريد و لا يخاف على نفسه من الكِبَر لأنه بمروءته يحتفظ دائما بدرع حماية من الأخلاق السيئة و خيل ركوب للمعالي و الصعاب، و فوق هذا كله، يكتسحه جمال الإنسان، المرء.

 

المروءة تطبيق لإنسانية الإنسان، و تشمل كل ما يتبع ذلك من حب و إجتماع و بناء. بل إنها أكبر من أن تكون جزءاً من أخلاق التواصل مع الناس فقط، فهي مجاز مباشر لإحترام الإنسان لحقيقته. فإذا عَدَل مع نفسه و مع الناس و حتى مع الحيوانات و الأحياء الآخرى كذلك، فقد حاز من المروءة بقدر ما عَدَل. و هذا لا يصبح ممكناً إلا بمعرفة مكانته بين بقية الخلق، و دوره المناط به في هذه الحياة، و قدراً من المعارف يمكنه من فهم و استيعاب الكثير من المتغيرات من حوله.

 

يكفي المروءة فخراً بأنها الخُلق الوحيد الذي يُستدعى حين تتأزم المواقف. حين لا نجد في مخيلتنا من الكلمات ما يصف مطالبنا من السلوكيات المنقذة، إلا المروءة. هي ليست أخلاق العفة، و لكنها عفة الأخلاق، و ليست أخلاق الشجاعة و لكنها شجاعة الأخلاق. المروءة عند العرب، هي الإنسانية عند الجميع! و بما أن الأمل- كالتصديق و الإيمان- من خصائص المروءة، فإن أول من يفقد المروءة هو من يفقد أمله و يظن مخطئاً أن فرصة التحلي بالمروءة، في عالم اليوم: مستحيلة!

 

 

*نشر في الإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 15 مايو 2012

 

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيرفكري, إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: