القائد الإفتراضي والواقع الجديد

 

للمحاسن التي تنتشر وتغيّر العالم عبقٌ و طيفٌ يشتهيه كل خيّرٍ محبٍ للإنسانية. و هي من نظريات – و تطبيقات – التأثير الحقيقي الذي يصنع الرُقي الإنساني المتوافق مع طموحات الإعمار و الحياة. شتان بين من يعمل بإلتصاق حول محور شخصه أو في نسق مخالف للفطرة البشرية و بين من يعمل في توافق مع سبب وجوده باحثاً عن مقتضيات البقاء العادل. فأفعال الأول تسمح بتجنى نظريات الأتباع و مفاهيم النخبوية على العدالة الإنسانية فتهين الذكاء البشري و في ثناياها إعتراف غير عادل بتسليمٍ لا يليق. بينما يصنع المؤثرون أبواباً عظيمة يتناولون مقابضها و يمارسون طوال حياتهم أدواراً متعددة في رعاية وصيانة هذه الأبواب بعد بذلهم الكثير في بنائها. هم لا يختارون من يدخل و من لا يدخل، وإنما يدفعون الجميع للدخول بكل ما يستطيعون من قوة و تأثير.

 

يحق لكل من يرى في نفسه القدرة أن يقوم بهذا الدور الذي عُرف تقليدياً بدور الرجل الواحد، فهو ليس حكراً على أحد و لكن قليل هم الذين يتمكنون منه. و ذلك لما يتطلبه من توافق لإرادة إلهية محضة و بذل لجهد عظيم و استناداً لكثير من المعطيات التي قد يصعب تمييزها و استحضارها، خصوصاً في مواطن الفوضى و التعقيد الإجتماعي. اليوم و بعد التقدم التكنولوجي و التغييرات الحاصلة في التكوينات و الحركات المحيطة يتجدد هذا الدور بإعتبارات جديدة لا يستطيع احد إدعاء فهمها بالكامل. و لكن لا يجب أن يثبط هذا من عزيمة أحد، فالناس يستمرون في التشكل في إحدى ثلاث: قوة هادمة و قوة بناءة و قوة تتأثر و تمتص، و التنقل بين هذه القوى واقعي و مستمر.

 

في كل ظواهر هذه الدنيا هناك دائماً خلطة بسيطة يجب استخدامها لتتحول الطاقات المهدرة إلى طاقات عظيمة مستغلة. تبدأ هذه الخلطة بفكرة قوية – و بسيطة في نفس الوقت – و دهاء محكم ينقلها للواقع يتبعه جهد مركز عظيم و حيوية ممتدة. لا تعمل هذه الخلطات من تلقاء نفسها إلا أنها قد تُكتشف عن طريق الصدفة. و يُظهر لنا التاريخ استخدام الأفراد الذين تمكنوا من التأثير شيئاً من هذه الخلطات.

 

على رأس هؤلاء يأتي الأنبياء و هم الأقوى تأثييراً لحيازتهم على التأييد الإلهي و كذلك خلقت لهم الأسباب فحازوا الكاريزما و القَبول، و تمكنوا من الإقناع باللين، و ثبتوا على مواقفهم، و صدقوا في رسالاتهم. ثم أتى بعدهم الكثير من الآخرين الذين أثّروا و صنعوا و غيروا سواء كانوا يعملون في محيطٍ بحجم أمة أو بحدود أسرة، أو حتى ذلك التأثير الفردي من شخص لآخر. القوى الإيجابية تبدأ دائماً من أحدهم و تنتقل إلى آخر، بتأثير كلمة تلقى أو فعل يقتدى او توجيه يطاع و يحتذى، و هذا أقرب للحصول ما دام الأفعال و الأقوال تتوافق مع المبادئ و القيم.

 

يُمارَس دور العراب في نفس هذا السياق، و هو ذو شخصية كاريزمية تحضى بقَبول مسيطر لدى شخصية أخرى تطمح للتطور ولكن قد تفتقد للتوجيه أو الإرشاد و الإلهام. و على الرغم من أن هذه الكلمة ذات الجذور النصرانية كانت تُعنى بالتأثير في مجموعات صغيرة نسبياً، إلا أن ما نحتاجه اليوم – و هو جاهز للإستخدام- هو تفعيل دور العراب الإفتراضي، حتى لا تقوم التكوينات الطبيعية الإفتراضية الإجتماعية – و هي تحصيل حاصل نراه يحدث اليوم – بتجديد التأثيرات السلبية المذمومة كتوليد الفرص الضائعة التي لا تستغل. و بسبب إقتصار هذا اللفظ عند البعض على صورة نمطية معينة سأستعير لفظاً أكثر جمالاً و أوسع صدىً و هو “القائد الإفتراضي”، فماذا سيفعل القائد الإفتراضي يا ترى و هل سيحل لأي أحد المعضلات و المشاكل؟!

 

يقوم القائد الإفتراضي بالدور المفقود، دور الرجل الواحد، بمشاركة أكثر من شخص، بل تتكون هذه الشخصية الإعتبارية من آلاف الرجال و النساء، بل الملايين منهم. و هذا ما يقدمه لنا اليوم التغيير التقني التاريخي الثري بأدواته و إمكانياته. تقوم اليوم ميادين التواصل الإجتماعي –و هي لا تزال ناشئة- بدور الرجل الواحد، و لو لم يُفعّل كما يجب بعد. في مرحلة البداية و خلال فترة وجيزة فقط، ظهر الكثير من مظاهر السلوك الجمعي المقنن الذي لا يظهر عادة إلا بتأثير قائد محنك!

 

لا يمارس القائد الإفتراضي سُلطتة أو عنفوانه بمبالغة أو تفريط، بل إن مستوجبات الحزم و الجبروت و الشدة تحدث معه بصورة ذاتية عجيبة، لذا، نجده يُتم أمره بكل سهولة و يسر. عنفوانه يكون في النتائج و ليس في التأثير أو أدواته. في عالم القائد الإفتراضي، تتغير كل هذه المفاهيم و يتم إعادة تركيبها بناء على حاجة الإنسان لها في مهام الإعمار و البناء، من جديد. اليوم، تنعم المجتمعات بإحدى أسهل فرص التغيير الإيجابي، كل ما تحتاجه هو التفعيل الشمولي لهذا الدور، الإفتراضي.

 

يُفعّل دور القائد الإفتراضي لأي مجتمع بالإعتراف أولاً بقدرات عالم الإفتراض (الحقيقي) وقدرات قادته الإفتراضيون. و بعد ذلك، يستوجب على المجتمع أن يتشارك قيماً إيجابية معينة يداولها هذا القائد الذي سيصبح في وقت لاحق مجرد فكرة ملهمة تستشري في الطيف الرقمي و توقع تأثيرها على المجتمع بكل أبعاده. الفكر القيادي الإفتراضي محكوم بهذه القيم، و أقوال القائد هي رسائل و رؤى مشاريعه المتزايدة المتحمسة، وما تبطش به يده – و هي لا تبطش حقيقة بل تلمس و تسلطف- هي البرامج المُنفّذة – التطوعية والربحية – التي يقوم بها أفراد المجتمع، بوجودٍ إفتراضي في عالم الإنترنت وبحضورٍ حقيقي في أرض الواقع. لا يحل القائد الإفتراضي مشاكل الجميع، و لكنه نسقٌ موحد و قوةٌ جبارة تدفع الكثيرين نحو عالم الإنتاج و العمل، و هي بالتأكيد أحق أن تستغل من كل مجتمع يبحث عن: البقاء العادل.

 

*نشرت بالإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 4 مايو 2012

 

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى إدارة وتحفيز, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • #ابايع_محمد_بن_سلمان_وليا_للعهد على السمع والطاعة في المنشط والمكره، واسأل الله له التوفيق والسداد وأن يمده بعون من عنده لحمل هذه الأمانة 1 day ago
  • RT @Najd_AlKharashi: @TalalJDB مقالك رائع يا دكتور 👍🏻فعلا دائما يصورون للشباب أن الثراء لا يأتي الا بالتجارة ولكن الاحترافية المهنية مصدر ل… 2 days ago
  • @freemansc1 هي ليست من المسار المهني "التقليدي" للمهندس، مجدية؟ نعم أكيد. قد تكون إضافة إذا كنت مستعد للتحول أو الت… twitter.com/i/web/status/8… 2 days ago
  • RT @DrAmeghames: احث الاخوة والاخوات الحاصلين على بكالوريوس محاسبة او دبلوم محاسبة بتعبئة نماذج البحث عن وظيفة من الرابط التالي https://t.… 3 days ago
  • RT @Gosibi: أسس جمعية الأطفال المعوقين وعمل آخر 30 عاماً من عمره مجاناً، حيث حول رواتبه كلها دعماً للجمعية، ما لا تعرفه عنه https://t.co/FS… 5 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: