النجاح و المدين الرابح

يقال: استثمر في طاقاتك و أوقاتك لتحقق أهدافك. هنا يُستعار لفظ “استثمار” لوصف عملية استغلال الموارد أو الإمكانيات الفردية التي يقوم بها كل من يسعى لتحقيق أهدافه و يحاول تسخير هذه الموارد بإدراك و تخطيط منسق. تلقائياً، يحوز هذا الشخص على النتائج التي يطمح لها أو ما قد يطلق عليه: “النجاح”، و النماذج متعددة و كثيرة. بطبيعة الحال، الثمرة الحسنة الملائمة هي ما يتمناه كل ناجح. لذا، ما يستثمره الشخص في نفسه يتنوع و يختلف من شخص لآخر. الإستعداد للبذل الذاتي لتحقيق الأهداف الشخصية هو من السلوكيات الإيجابية التي يجب أن تُروّج و تنتشر في كل مجتمع عامل منتج.

و لكن، هناك سؤال : هل كل ما نستثمره من موارد، سواء كانت وقت أو طاقة أو معرفة، هي من أملاكنا الخاصة التي تملكناها بطريقة تجيز لنا حرية التصرف فيها و بالتالي في نتائجها كذلك؟ أم أن مكونات هذا النوع من الاستثمار (الاستثمار في الذات) عادة ما تكون مشتركة مع أطراف أخرى – كالأهل و الأصدقاء و المجتمع – بل قد تكون أحياناً عطاءً مباشراً من الغير نستثمره لمصلحتنا الخاصة؟

بل إن السؤال الأهم، هل تنتهي المهمة في حالة نجاح هذا الإستثمار الشخصي و استغلال موارده بطريقة مُثلى، كتحقيق النجاحات الشخصية التجارية أو الوظيفية أو غيرها؟ هل محاولة ربط نتائج النجاح الشخصي بأبعاد و أطراف أكثر يُعد من الترف التخطيطي و هو مبالغة في المسئولية الفردية نحو المجتمع؟ هل مجرد الحصول على ثمرة النجاح و تحقيق الأهداف التي أرادها الناجح في أول الأمر يجعل الإستثمار عادل و يحقق تكافؤ التوزيع للنجاح الناتج؟ في أكثر الحالات إن لم يكن في جميع الحالات الإجابة هي: لا.

النجاح لا يصبح إستثمار عادل فقط بحصد المستثمر الرئيسي لثمار النجاح. استمتاع الناجح بنجاحه و إعتراف الغير بهذا النجاح – و تهنئتهم للناجح بطبيعة الحال- لا يحيل النتيجة إلى وضعية التكافؤ. حيازة الشخص المجتهد العامل على ثمرة النجاح و حصده لنتائج أعماله السابقة هو مجرد جزء محدود من المعادلة، معادلة الآخذ و العطاء. الناجح – و في الحقيقة كل إنسان كذلك – دائماً مدين للغير، و لكن سداده للدين لا يحرره من الغير و إنما يجعله أكثر إقتراباً منهم.

لحسن الحظ، سداد هذا الدين لا يعني إغلاق الحسابات و تحرير أنفسنا من سيطرة مساعدة الغير التي نضطر إليها أحياناً. و بالتأكيد هذا السداد لا يشبه عملية الإنتهاء من صداع مالي مزمن يعيش بعدها المُسدد في حالة نقاهة و طمأنينة نادرة و مؤقتة، بل على العكس من ذلك، سداد ديون النجاح هو تفتيقٌ لبذور الأمل و تفتيحٌ لزهور الهِمم، حيث يستمتع أصحاب هذه الديون بتفاعل مجتمعي ذو نسق صحي نقي و منعش جداً، لهم ولمن حولهم. إلى جانب الديّن الذي يُرى بسهوله على رقبة الناجح (كمشاركة الزوجة الصالحة و دعمها لزوجها)، هناك ديون آخرى أعم و أهم، من ذلك ما ينبثق عن ظروف البيئة المحيطة و يربط الشخص بالمجتمع و يصنع حدود المسئولية التي تقع على الكل.

المجتمع الذي يحيط بالناجح هو دائماً بحاجة ماسة له حتى و لو لم يشارك المجتمع بطريقة مباشرة في الاستثمار في هذا النجاح. بل إن الناجح في الحقيقة يخسر كل أرباح نجاحه إن لم يحرص بنفسه على إعادة تدويرها في أوعية النجاح الآخرى التي قد يضطر إلى صناعتها أو البحث عنها بنفسه. أقرب مثال هنا هو ذلك المهم (الرابح) الذي يتعلم في بلاد الهجرة و حين يعود لوطنه يدفع بكل أرباح نجاحه لمجتمعه، حتى و لو لم يسقط رأسه – يوم ولادته- على تراب الوطن!

 

*نشر بالإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 8 أبريل 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيرفكري, إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: