مكافحة الفساد و أخواتها

السبب الرئيسي لظهور دور مكافحة الفساد مؤخراً هو محاولة حل إشكاليات معقدة متعددة قائمة، بالإضافة إلى الوقاية من مشكلات قادمة هي على الأرجح أكثر تعقيداً. هذه الإشكاليات ذات جذور متراكمة أُُُشبعت نظراً و نقداً سواء من المتخصص أو غير المتخصص. و لأنها بأبعاد مختلفة و ذات تركيب نسيجي معقد جداً فإن الإجماع على حل واحد ناجح يكاد يكون ضرب من المستحيل. لذا، نجد أن التفاوت في الحلول و التوقعات و الآمال يتسع و يختلف بين الجميع، فئات و أفراد.

دور مكافحة الفساد هو دور عظيم، كأي دور رقابي أو تصحيحي آخر. يحتاج هذا الدور إلى جدية و إمكانيات آخرى تتاح للقائمين عليه حتى يتحقق على وجهه المطلوب. من هذه الإمكانيات و المميزات وضوح و تحديد الهدف و الأسلوب و تملك الأدوات المناسبة. كتعريف الفساد، و نطاق مكافحته و الآليات التي يسمح بإستخدامها من ضمن هذا النطاق. و لكن، هل يكفي دور مكافحة الفساد لحل كل هذه الإشكاليات المتعددة القائمة؟

بالتأكيد، الإجابة هي: لا. فالمسألة تحتاج الى النظر بتأني و بعد ذلك التقرير على أكثر من مستوى و بأكثر من طريقة، و لكن بتزامن و تنسيق عالي جداً. عل سبيل المثال: قد يُنظر لدور المكافحة بناء على أدواره الفرعية، فالمكافحة تستوجب التوعية، و التحفيز و المتابعة و التطهير و الرقابة و المحاسبة و العقاب. و كل دور من هذه الأدوار له فرص نجاح و فشل تختلف على حسب طريقة التعاطي معه، و حسب الدافع و السبب لكل منها. من الطرق الأخرى للنظر في دور مكافحة الفساد هو مدى تكاملها و فعالية تنسيقها مع الجهات الأخرى التي تقوم بأدوار مشابهه و لكن ليست مماثلة. من الطرق الآخرى كذلك محاولة تقدير مساهمة كل ماسبق في تحقيق الأهداف العامة على أرض الواقع، و محاولة إغلاق الفجوات بأجهزة و فرق متكاملة مؤثرة. تكلفة إنشاء و دعم هذه الفرق في الأغلب لا تشكل إلا جزء بسيط من الهدر و الخسائر التي ستختفي إذا نجح دور مكافحة الفساد.

إن معالجة أي أمر بإستحداث جهاز تقليدي في هيكله، كامنٌ في تفاعله، يُؤَثَّر فيه أكثر مما يؤثر على غيره و لا يخطو بإتجاه تحقيق أهدافه الأساسية، لن يجدي نفعاً بالتأكيد. خصوصاً لو استخدم هذا الجهاز المستحدث نفس الأسلوب الذي دأبت على ممارسته الأجهزة التقليدية الآخرى التي شاركت أساساً في بناء هذه الإشكاليات. كذلك محاولات معالجة الأمور بعد استفحالها، أو بأسلوب ردة الفعل، أو حتى الإستجابة للملّح منها أولاً- و ليس المهم – كل ذلك ضرب من الهدر ليس أكثر. هدر في وقت من ينتظر النتائج، و هدر في طاقات من يعمل فعلياً على إعادة إنتاج الخلل من جديد.

اليوم نحن بحاجة إلى فرق عمل تعمل على البعدين الواقعي و الإفتراضي، بنفس الفعالية، تستخدم أسلوب الساعة و تنظر لتحسين المستقبل و ليس إصلاح الماضي فقط. نحن بحاجة الى مؤسسات شابة تموت و هي شابة و تحيا و هي شابة كذلك، فهي تتحرك بالسبب فقط، ذات تركيز عالي و توجه محدد، تقف عن التحرك عند إنتفاء الأسباب مباشرة. نحن بحاجة إلى كيانات ذات أدوار موضوعية جداً، تتعامل بالمفيد و لا نتنج إلا المؤثر، لديها حدود في الإختصاص و لكن مجال الإنطلاق أمامها مفتوح على مصراعيه. في الأخير، لن يقود و ينتج في هذه الكيانات أجيال المستقبل الإفتراضي أو إختزالات الماضي المستهلك، بل هم شباب الواقع و الحقيقة، شباب اليوم الذي يتحلون بمهارات العالم المتصل، و يجيدون لغاته المتغييرة و يسعون لرقي غيرهم بالخيار و ليس إحتواء ماحولهم بالإجبار.

ليكن هناك مكافحة للفساد، و توعية بالأخلاق، و ترويجاً للقيم، و معسكراً للإنتاج. مرة فريق، و مرة هيئة، و مرة مؤسسة أو جمعية. و لكن العنصر الدافع و العامل المحدد هو الروح و الهوية قبل الشكل و التنظيم. لتنقسم مكافحة الفساد و أخواتها إلى برامج واضحة ذات شخصيات إعتبارية و هويات محددة واضحة تبني ثقتها بالإبهار و التميز. برنامج توعوي تحفيزي يستخدم القنوات الغير رسمية و النماذج الإبداعية، و برنامج رقابي يستغل كل التقنيات الحديثة، و آخر علاجي يبحث و يروج في معايير الهيكلة و التنظيم، و هكذا. و سواء كانت الفرق متعلقة بالفساد أو البطالة أو الإنتاج و التحفيز، إلا أنها لن تنسق و تندمج إلا بوجود كيان فعال يقوم بأدوار القيادة العليا للتغيير! حين إذن ستبدأ الإشكاليات المعقدة المتعددة بالتحلل و الذوبان، و ستبدأ أطر حماية المستقبل بالتشكل و تصبح حينها قابلة للإتباع.

*نشر بالإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 28 مارس 2012

نبذة

Contributor

أرسلت فى إدارة وتحفيز, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: