قِوى التيار وأحجار الرُسُوّ

ليتمكن البشري الذكي من السيطرة على سفينته أو حتى سِقالته الخشبية البديعة، قد يضطر أحيانا إلى استخدام قالب إسمنتي بشع المظهر عظيم الفائدة يرميه في قاع البحر و يعتمد عليه في تثبيت هذه الأجسام الكبيرة بواسطة الحبال والأوتاد، فتسيطر على الثبات الظاهر لنا على السطح وهي ترتبط أساساً بِكُتلٍ من الطين المتفكك المتجمع تحت ضغوط الماء العظيمة.

يعلم البحريون جيداَ أن ضعف الإنسان يتجلى في البحر حين تجتمع معه الرياح. بل وأصبح الكثير من الناس يعلمون – كما رأينا مؤخراً في تسونامي اليابان – ماذا يحدث عندما يجتمع المحيط مع حركة الصفائح الأرضية التكتونية فينتج ما لا يتصوره بشر من قوى طبيعية تحدث الدمار والخراب. هل تشكل نفس الإنسان ظاهرة طبيعية تتداخل فيها قوى مشابهه لتلك التي في البحر؟ أم أن من يحاكي صورة البحر اليوم هو المجتمع الإنساني ككل – وليس الإنسان كفرد فقط – وهنا أيضاً ظاهرة طبيعية فيها الكثير من القوى والطاقات المختلفة ما بين متعارض ومتوافق.

في البحر تعقيدٌ وتداخلٌ عجيب. فهناك التيارات الداخلية، التي تتنوع بين ما هو ناتج عن مدٍ وجزرٍ وبين ما هو ناتج عن صيفٍ وشتاء. وكذلك تضرب الرياح في سطحه، ويصل تأثيرها إلى الأعماق، ويغير الضغط من معاييره وسلوكه، وتفرض درجات الحرارة وتغييراتها دوراً جوهرياً في تناسق هذه القوى، التي لا تستقل عن مؤثرات أخرى كالشمس والأعاصير، وملوحة المياه وكثافتها. بهذا كله، يهدر فينا البحر يوماً بعنفوانٍ وتَجبّر، ويسكن ساعات وساعات وكأنه يتماوت أمام أعيننا.

أما في مجتمعنا، قد يظهر لنا لوهلة أن التيارات الفكرية والطاقات الجدلية تبحر بنا فيما لا نعرف، وتوصلنا إلى ما لا نستحق ويستحق أبنائنا. لذا من الأجدى لنا أن نبذل الجهد والعدة لننصر أقرب التيارات إلى قلوبنا – ذلك أقربهم للعدل حسب ما نرى – ونجعله المسيطر فينا، فهذا سبيل النجاح وضمان الصلاح للفرد ولمن حوله. في الحقيقة يتسع عقل البشري الذكي إلى صورةٍ أكبر من هذه من الصورة بكثير.

فالتيارات، ولو اجتمعت كلها، هي نوع واحد من القوى وهناك الكثير غيرها. تساهم هذه التيارات في الإزدهار والتنمية المطلوبة إذا ما استثمرت بأليةٍ مناسبة، وأما مدى صوابها فهو ما يضمن لنا العدالة وليس مطلوباً لتحقيق التأثير. والمهم، هو التنبه والإستشعار للمفيد من القوى الأخرى، التي تتوفر للبشري الذكي وتلاءم حالته. فهو لا يحصر نفسه وعمره في فكرة تُناقش فقط. وإنما ينظر لنفسه في بحرٍ من التيارات والطاقات المختلفة، ليلجأ إلى ما يضمن استمرار حياته وحياة من يحب وليس استمرار فكرته وسريانها على غيره ! لذا هو يرى هذه التيارات الفكرية، كما هي، فكرية فقط. تؤثر؟ نعم، مادة يجب على الجميع التعاطي معها لتستمر حياتنا؟ لا! فالفقير مثلاً لا يهتم بتيارٍ أو منهج، فتياره ماء يشربه ومنهجه سكن يحميه.

البشري الذكي، لديه قالبٌ إسمنتي صلبٌ وثقيل، ترسو سفينته به. وإذا أبحر، يتركه في مكانه ثابتاً لا يتزحزح ليعود إليه مهما طالت رحلته. و مع ذلك هو يستخدم الحبال والأوتاد وكثيراً من مقومات المرونة. في بحره، لديه تيارات متعددة، تؤثر على حياته كلها ولا تشغلها كلها! في بحره، هنالك الكثير من الطاقات والقوى، أولها وأعلاها مرتبة، العمل والإجتهاد والإنتاج. فسفينته لم تولد على أرض الواقع إلا بجهد وبذل، بدون ذلك، كان يمكن أن تبقى كما هو أصلها، مجرد شجرات في غابة تسكنها الطيور والعناكب. لو أبحر بلا هدف لصارت رحلته نزهة لا أكثر، لا تسمن ولا تغني من جوع. تؤثر شمس الحب في بحر البشري الذكي، فيستمد من الحب طاقات الأمل والعمل لبناء مجتمعه، فماذا بغير الحب يدفع نفسه في غمار المخاطر للمكاسب؟!.

الإنشغال بالتيارات و محاولة تجيير حركة الماء لصالح فريق أو فكرة، هو من السذاجة البشرية التي يترفع عنها بقية الأحياء في البر و البحر. فالذئاب تعوي في المساءِ تأثيراً وتركض مجتمعة في الصباح بحثاً عن غذائها. لو عوى الذئب صباح مساء، لجفت حنجرته و عجزت أن تقوم بأدوار أخرى أهم، كالتنفس والأكل والتواصل الإيجابي مع أعضاء فريق البحث عن الغذاء، لضمان مستقبل القطيع. وهذا بالضبط ما جُبِلت كل الأحياء عليه، و هو السعي لمستقبل الآخرين.

إن لم نقم بذلك، فنحن على الأرجح لا نقوم بدورنا الحقيقي. إن التنافس ليس بين تيار و آخر، و إنما تنافس بين إيجاب و سلب، بين عمل وقول، بين طاقات تُهدر و أخرى تُستغل. لو انشغل نصف أهل الأرض في العمل، لانشغل الآخرون في الكلام. ولو لم ينشغل أحد في العمل، لمات كل أهل الأرض!.

*نشر في الإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 16 فبراير 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيرفكري, إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: