بيتوتي أم لا بيت لك؟

سداً لذرائع الوهلة الأولى، هذا المقال لا يتصل بمشكلة السكن وإمتلاك المواطن للمنزل على الرغم من سهولة ربط هذه المشكلة بأي نقاش واقعي وحديث.

شجع الإسلام على البقاء في البيوت وفي نفس الوقت حذر من محاولة كسب الرزق بلا سعي أو جهد، وهذا ما يكون على الأرجح خارج حدود البيت. قوى البقاء والتحرك تطبيق بسيط لمسألة التوازن في الأساليب والطرق لتحقيق الأهداف الجميلة (والنبيلة كذلك). المبالغة في الجلوس داخل البيت تتحول إلى ركودٍ ثم تعفن، كما أن المبالغة في الخروج منه هي طيران بلا حسبان، وقد تتحول إلى أذى بلا حدود.

تحقيق البقاء في البيت هو ممارسة لسكون إنساني رائع، من يَمهُر فيه تتحقق إنسانيته أكثر. بالتأكيد، المهارة تكمن في قدرة الشخص على النفع من هذا البقاء، له ولغيره، وليس في إستمرار الوجود بين حيطان المنزل لعدد أطول من الساعات بلا فائدة تذكر. من يعايش ويعتاد البيئة المنزلية الدافئة هو أقدر من غيره على الإنتاج الطيب والتأثير الحسن.

في البقاء في البيوت، يتجنب الشخص الكثير من الإحتكاكات ويقلل من التعرض للمضايقة والتشويش والفوضى. وفيه كذلك حفظ للموارد (كالوقت والجهد والمال) و مكسب للأسرة، آخر الأمر، يربح فيه الجميع مزيداً من العاطفة المعبِّرة والكسب الحسن والتلاحم الإيجابي.

في الجانب الأخر، الخروج من المنزل سلوك حياتي حتمي لطلب الرزق وإشباع الفضول. هو أشبه برحلةٍ لصيد الفوائد والخير، من يفقد في رحلته التواصل مع هدفه، يحيد عن النتيجة المطلوبة، ويحفز – وقد يجبر- من حوله على المضي على نفس الخط المتعرج ذو النهاية الضبابية. بينما الآخر دائم الرجوع لبيته بالصيد الوفير والجواهر الثمينة، يطرحها في ساحة بيته، ويعود لممارسة الوضع الإفتراضي لمكان الوجود الأمثل. وذلك هو البيتوتي، الذي يحب بيته، بمن فيه، فإذا ضايقه شيئا غيَّره، أو أحبه! فلا وجود للكُرْهِ في قاموسه الحياتي، وهو بالتأكيد لا يحتاج للهروب أو للكثير من التظاهر. بينما الآخر، حتى لو بات بعض الليل بين جدران منزله، فهو كمن لا بيت له !.

قوة البقاء في المنزل وقوة التحرك خارجه، تشبه إلى حد كبير قوة التعابير الخارجة من الفم أو اللسان والداخلة إلى الأذن والعين. تكثر الدعوات إلى ضبط الكلام وإتقان مهارة الصمت ليس تقليلاً أو تهميشاً من بعض أثار هذه القوى و إنما تحكماً بها وإستفادةً منها. وهذا إتزان طبيعي تختص به الإنسانية في سموها وإرتقائها، يحصل به الإنتاج والتأثير وبطبيعة الحال، الأعمار كذلك.

إذا خرجنا عن دائرة التوازن المخطوطة بأقلام الأدب والأخلاق والإنسانية، سندخل دائرة الفوضى والتشتت أو نصبح فجأة في مثلثاتٍ من الأذى والظلم، تحضر في دواخلنا بأساس عريض وتثقب في أفقنا بأسلوبٍ مهلكٍ مهيب، كلما وضحت لغيرنا، اختفت عن أعيننا ودمرتنا أكثر. بل إن كل أعمالنا وجميع أنشطتنا هي أيضاً كالتعابير في حركتها وكالفرد في منزله. فالعالم كله منزل، إما أن نسكن فيه ويصبح بيت التوازن والدفء، أو نكون فيه كمن لا بيت له !.

*منشور في اللإقتصادية الإلكترونية بتاريخ  1 فبراير 2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: