شبابنا : بين حافز و توزيع الجرائد !!

 

 

حياة الناس مع الوقت تصبح سياق وإعتياد ، ومن ذلك الحلول نفسها التي تتعدد ثم تتكرر إلى أن تتطابق. و إذا لم يكتب للحلول نجاح ، فنجد أننا في الأخير نراها حلاً واحداً لا غير ، لنعتاد بعد ذلك على غمض أعيننا عن بقية الفرص و بقية مفازات الحياة. يشتكي اليوم الكثير من قضية السعودة التي تشبعت كلاماً و تحليلاً وجهوداً كذلك. ظُلِم الشاب السعودي سابقاً ثم ظلم التاجر و ظلم المنظم والمشرع ولا يكاد يسلم احد من واقع سلبي وبيئة إنتقادية تُسقط أكثر مما ترفع ، بالتأكيد ، هناك حد.

لا يختلف أحد أن أي مجتمع ، صَغُر أو كَبُر ، يبدأ في النجاح إذا كان أشبه بخلية نحل وذلك بالعمل الدؤوب واستثمار الطاقات، ظاهرها و كامنها ، والإنتظام المنسق المجمع عليه. بغير ذلك لا يخرج العسل كما يجب أن يخرج ، صافياً حلواً مغذياً. لكل شاب وفتاة هناك جانبين لهذه القضية: الأول ما يخص الشخص نفسه والآخر ما يخص العمل ، كمتطلباته و بيئته و تعويضاته. أكثر الجهود في السابق – وهي ما تزال مستمرة في يومنا الحاضر- تخص مكان العمل كسن الأنظمة والقوانين و تحفيز القطاعات وغير ذلك.

هذه جهود مهمة وذات تأثير مباشر وضروري ولكن ، لا تكفي لوحدها. مشاهدة ردات الفعل لبرنامجي نطاقات وحافز قد يصور تعاملنا مع الوضع الراهن بطريقة جيدة. الجانب الذي يخص الشخص لم يأخذ كفايته بعد من الإهتمام ، مع الإعتراف بحضور برنامج “لقاءات” مؤخراً. في هذا الجانب ، كان التدريب والتأهيل الفني والمهني هو أكثر الخصائص حظاً ولكنها ما تزال أقل من الطموح. بل إن الدعم العشوائي العَجول لإصلاح هذا الخلل أكَثرَ من المؤسسات التدريبية التجارية التي توهم المشرعين وتهدم الطاقات بتدني جودة مخرجاتها.

إتماماً لكل الجهود السابقة، الناجح منها و الفاشل ، يتحتم علينا اليوم لنحدث التغيير أن نقوم بخطوة أخيرة. حتى لا يُظلم الشاب السعودي ولا يلام ، علينا أن نغيّر أنفسنا بتغييره. بكل بساطة ، توزيع الجرائد. نعم ، في كل النماذج المتمدنة اليوم ، تجد صغار السن يوزعون الجرائد فجراً كعمل جانبي ، وإن لم يقوموا بهذا العمل بالذات ، فهم حتماً معتادين على ثقافة العمل الجزئي أو الجانبي خلال فترة الدراسة الأولية، و هي ثقافة تتجلى بشدة في المرحلة الجامعية.

بالتالي ، هناك قيمة مشتركة بين أفرادهم تخص ربط العمل وبذل الجهد بتفانٍ للحصول على تعويض مقبول. هو تعويض مادي على الأرجح و إن اتسع ليشمل أمور أكثر أهمية كنيل الخبرة و تحقيق الذات و مساعدة الآخرين و إعمار الأرض. الأهداف الأخيرة هي أكثر أهمية من التعويض المادي و هذه مما يجب أن يراعى عند البحث عن عمل.

و لو ننظرنا إلى هذه القيمة بأبسط أشكالها ، عمل و إنتاج مقابل تعويض مادي. هذه القيمة لا تولد لدى شبابنا إلا بعد مرحلة الثانوية وأحياناً بعد الثانوية بسنوات مرفهه في منزل والديه. بل إن هذه القيمة تظهر عند البعض ، للأسف ، بعد أن يبلغ طفله الأول سن الدخول إلى المدرسة !! هذا ليس خطأ الشخص نفسه أو أسرته فقط ، وإنما هو خطأ مشترك بين جميع الأطراف فهو قد بدأ في النشوء في حقبة إقتصادية معينة واليوم تظهر نتيجته القاصمة. الحل التنفيذي الممكن اليوم هو المبادرة بإعادة توليد هذه القيمة ، توليدها تبكيراً لأجيال الغد وتوليدها إلحاقاً لأجيال اليوم و الأمس كذلك! وهو بدون دعوة أبناءنا لغسل الصحون أو توزيع الجرائد أو أي عمل شريف آخر، وإنما بالبناء الحقيقي القابل للتشييد في بنياننا الإقتصادي والاجتماعي المعاصر لقيم الأداء والعمل والإنتاج.

المبادرة – وأرشح وزارة العمل لإدارتها وليس لتنفيذها بالكامل- قد تظهر كمهمة إستراتيجية طويلة المدى ، ولكن أكاد أجزم أن قوى الجذب لها ستكون قوية جداً لحاجتنا المريرة حالياً ، مما سيجعل الإستجابة سريعة وستظهر نتائجها على المدى المتوسط أو حتى القريب. المبادرة، تتكون من عدة عناصر أو مبادرات فرعية كالتالي.

أولا : توعية الأسر بأدوات زرع قيم الإقتصاد والأداء العملي في الأبناء و تنمية ثقافة الإنتاج لديهم و التدرب على نظام المشاركة التدريجي في مشتريات الإبن الخاصة بينه وبين والديه ، على سبيل المثال ، من المرحلة المتوسطة.

ثانيا : إعادة قولبة النشاط اللامنهجي في المدارس – و لو جزئياً – بطريقة تعتبر لصناعة وأدبيات التطوع يحتسب فيها مثلاً عدد ساعات النشاط المقدم من الطالب وتوضع في شهادته أو ملفه أو تقدم في خطاب له أخر السنة.

ثالثاً: تقوم وزارة العمل بالإشتراك مع وزارة التجارة والصناعة بتطوير برامج التدريب الصيفي المعتادة وتحسينها. وكذلك إيجاد آليات على مستوى مجالس الأحياء والمجالس البلدية توفر فرص للعمل بأجر للطلاب خلال أيام الدراسة وخارج أوقاتها ، في متاجر الحي الكبرى مثلاً ، بدل الوقت المهدر يومياً من الجميع. وإنشاء حاضنات أعمال متنقلة تعمل في مواقع مدارس الحي خارج ساعات الدوام الرسمي تقوم على أيدي الطلاب ، تبدو لي كفكرة إبداعية تناسب إبداعات أبناءنا.

رابعاً : يقوم صندوق تنمية الموارد البشرية بدعم هذه الإستراتيجية عن طريق تعميمه المستمر لمدراء الموارد البشرية في جميع المنشآت المسجلة لديه بضرورة اعتبار السجل التطوعي للمتقدم للوظيفة والمطالبة به لجميع المتقدمين لوظائف ، وقد يقوم الصندوق بحملة إعلامية لدعم هذا التوجه فدوره في الأساس يرتبط بتنمية العنصر البشري في المملكة.

خامسا : الإستفادة من المؤسسات التطوعية القائمة وإعتماد صيغة مشتركة لتسجيل ساعات التطوع لكل فرد ، هذا يستوجب هيئة منظمة لهذه الجهات ، وتوجيهها كذلك للقيام بترويج أعمال التطوع للتطوع و بناء ما نحتاج وليس العمل وفق سياسات المؤسسات الخاصة فقط بحثاً عن الزخم الإعلامي.

بل اقترح، و على سبيل القدوة و المثال للأبناء، بأن يبدأ موظفي الدولة و كبار التنفيذين وحتى كتاب الصحف و المثقفين بالإفصاح (في صفحاتهم في تويتر مثلاً) عن ساعات التطوع المسجلة لديهم – و الحصول على جديد منها إن لم يحوزوا- حتى يبدأ من يريد العمل و الإنتاج بالتسابق على خدمة بلده و مجتمعه.

وإن ظهر الإقتراح الأخير اقرب إلى الحلم ، لكني متيقن بأني الآن أُبشّر به قبل حدوثه قريباً ، حتى لو تعارض للبعض مع سرية العمل الخيري ، فالتحفيز والتشجيع لا يتعارض مع ذلك. جميع العناصر التي ذكرتها هي مكملات لمشروع السعودة القائم منذ زمن والتي ستعمل بجانب نطاقات وحافز ولقاءات وهمم شبابنا ليكونوا لبنات حقيقية في إقتصادنا وإزدهار حياتنا ورفعة وطننا وحياة الأجيال التي تأتي.

 

*نشر في الإقتصادية بتاريخ 14يناير 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة ومالية, إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: