يا عزيزي .. (ترى) هذا فساد !!

هناك دائماً شخص يشعر أنه على حق. في الحقيقة ، كثير يشعرون أنهم على حق في أكثر إختيارتهم و قراراتهم. فعلى الرغم من الدعوات المستمرة لزيادة الثقة الشخصية ودورها في تدعيم تحقيق النجاح إلا أن الثقة قد تحضر بشدة في القرارات الخاطئة كذلك. وهذا ما يفسر تحول الفكرة السيئة ذات الأثر الظالم إلى واقع على الرغم من أن صاحبها يعاني بالتأكيد من إحساس “ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس”.

في القانون الجنائي وكما هو مشاهد في الأفلام الغربية ، يرتبط “الدافع” بحدوث الجريمة ويوفر فرصه عظيمة لتتبع الخيوط والوصول إلي الفاعل. وحتى في الفساد ، هناك دائما دافع مؤثر وفرصة سانحة ، يستغلها المعرض للقيام بفعل الفساد بعد أن تفوز في دواخله الثقة الشريرة على الضمير الفطري الحي. وكما أن المعرفة و المبادئ الأصيلة تمثل مراجع يستخدمها العقل لتقسيم الأمور إلى جيدة أو سيئة، فالمفسد لديه على الأرجح إشكاليات معرفية أخلاقية تؤثر على تصرفاته على الرغم من أصالة ونزاهة مبادئه ، في بعض الأحيان. الإختلاف بين القول و العمل أحد ظواهر و نتائج هذه الإشكالات.

اليوم، الناس مع الفساد على ثلاثة أوجه : إما مفسد ، أو منكر للفساد ، أو صامت عنه لجهله أو تجاهله. و هذه الفروع الثلاثة تتداخل أحيانا بدون أن نشعر فيكون الصامت مفسد بصمته أو المنكر يحارب أشكالا من الفساد ويأتي بغيرها. خصوصا في مواضع التأزم الأخلاقية ، التي تزيد فيها الشبهات ضبابية أو تتكالب الضغوط مسقطة أركان الأخلاق بكل قوة و خفة.

جميع هذه الفئات الثلاث تواجه نوعين من الإختيارات التي تكون نتيجتها النهائية فساد أو لا فساد. النوع الأول هو الواضح الجلي المُجمع على شروط تحققه ونتيجته المستقذرة المستنكرة كالسرقة والظلم المباشر والدجل وقتل النفس وغير ذلك. النوع الثاني هو ما تصاحبه الشبهات وتبرره الضغوط وتحتار معه الضمائر. في هذا الأخير تظهر الأزمات الأخلاقية وتتضارب الآراء حتى أن المعايير والقيم تكاد تذوب وتتشكل من جديد تحت عذر الوضع (هكذا)! لا يغيب علينا لفت الإنتباه إلى موضوع النية ، حيث أن الكثير يبرر الفعل السيئ بالنية الحسنة ، وهذا عذر غير مقبول. النية قد تدخل في الإعتبارات القانونية أو القضائية ولكنها ليست مقللة من أثر الفعل وفداحته ، كما سيظهر لنا أدناه.

لطرح بعض الصور والأمثلة عن النوع الثاني المثير للجدل دائماً والذي يكون عادة غير واضح المعالم يجب أولاً تعريف وتحديد نطاق الفساد الذي نتحدث عنه. الفساد هنا هو كل فعل يراعي المصالح الشخصية على حساب غيرها بلا عدل أو بلا نظام. أحد أكثر الصور شهرة لدينا هي مساعدة الأقارب في الحصول على وظائف على حساب الآخر ، الكفء المؤهل. وقد يظن (الواسطة) هنا أنه يقوم بفعل خيّر في مساعدة بعض الشباب للحصول على وظيفة وفتح بيت وما إلى ذلك ، وهذا يحصل كثيراً جداً إن لم يكن أحد أهم أسباب تدهور بعض القطاعات لدينا. بالطبع تختلف الحالات والظروف ولكن مادام أن هذا الفعل على حساب الغير أو إذا لم تكن فرص العامة متساوية في الحصول على نفس الوظيفة ، فهذا فساد.

كذلك نجد من يشتري أرضاً بأوراق غير رسمية ويحاول إستصدار صك شرعي بمعاملة طويلة – تكاد تصبح جزءاً من ثقافتنا – وعندما يصطدم في الطريق بحاجز إجرائي يتم تسويته بطرق غير سوية. الكثير هنا لا يعتبر هذه رشوة بحكم أن الأرض ملكاً له و لم يضر أحد بدفع هذا هذه التسوية المالية التي يعتقد أنها هي الطريقة الوحيدة للحصول على ملكه و حقه، في نظري هذا فساد من الطرفين أحدهما لجهله و الآخر لإستغلال ثغرة النظام، و لو تم تبريره ، هذا يقودنا لفساد المعرفة ، حيث يخطئ أحدهم و يبرر خطأه بالجهل.

من أمثلة هذه الصورة الموظف في وظيفته حين لا يعي كل متطلباتها ، والمسئول حين يفتقر لأساسيات العمل الإداري ، ومن يعمل مع الجمهور ويفتقد لمهارات التواصل الحسنة والعلاقات العامة. كل هؤلاء ، حين يقودهم جهلهم إلى الإضرار بالأخرين ، يصبحوا مفسدين بحق من حولهم وبحق مجتمعاتهم ، خصوصاً أن الفرصة أتيحت لهم للتعلم والتزود بالمهارات والأدوات التي تمكنهم من أداء واجباتهم حسب المطلوب. فيجب على الموظف، من أول يوم في عمله ، الإطلاع على وصفه الوظيفي ومتطلبات عمله و البحث والسؤال عما يصحح أوجه القصور لديه ، حتى لو اضطر إلى القيام بذلك كتابياً حتى يثبت محاولته لنفسه ولغيره ، إن احتاج. الجهل لا يكون عذراً لصاحب مسئولية ، في أي موقع يكون.

وأما أبشع صور الفساد فهي في ذلك الذي يقول : ما دام الكل يأخذ، لماذا لا أخذ أنا؟ قد يبررها بالفرصة المتاحة ، التي في نتيجتها تكون عادلة للجميع ، حين يسرق الجميع! وهذا هو قانون الغاب والحيوانات الذي لا يبرر ولا يرتبط بأي قيم أو معايير إنسانية سابقة أو حديثة. الغريب ، وقد يشرحها لنا علماء النفس ، أن البعض يشعر بالفخر بهذا النوع من الإقتناص ، كما يُدعى عندهم، فهم يصفون من يقدر على اللحاق بالفرصة ويأخذ منها (بالذيب) ولو كان المال يعود لآخرين أو في فعله مظلمة لمساكين. تكثر الصور وتتعدد وقد يصعب حصرها حتى لو حاولنا ذلك ، لهذا وجب في المسألة الفهم أكثر من الطاعة ، حتى يميز العقل بين الفعل الطيب والفساد المبرر.

وكما رأينا أن الفرصة السانحة هي التي تحفز على القيام بهذه الأفعال المستنكرة ، فإن من نافلة القول تبيان دور النظام والقانون هنا ، النظام حين يتسع و يتبحبح سامحاً لهذه الفرص بالظهور، والقانون حين يضيق و يعجز أن يشمل أدوات الردع والمنع الكافية لمن يستسهل الفساد أو بعض صوره وأشكاله. لا شك أن من ملحقات النظام والقانون ، قنوات التوعية التي يتوقع منها أن تنشط بقدر متوازي مع الحاجة إليها ، والمساندة الإجتماعية التي لا تحصل إلا بالتواصل الفعال بين كل الأطراف خصوصاً في حملات مكافحة ومحاربة الفساد.

كل فرد منا مطالب بإعطاء مجتمعه قدراُ من العطاء يوازي ما لديه من كوامن المعرفة والطاقة والعمل والأخلاق. متى ما تقاعس الفرد أو استقل عن فعل ذلك و هو يستفيد من مجتمعه بلا مقابل ، يصبح مشاركاً في إخلال ميزان العدل مع آخرين أمثاله. هنا يظهر الضرر على الجميع ، وهكذا يشترك هذا الفرد مع المفسدين بوجه أو بآخر. إعمار هذه الأرض التي نسكن ، وما يشمل الإعمار من عمل و إنتاج ورفاهية وإطمئنان ، لا يكون إلا بالقضاء على المفسد ، وعلى تبريرات المفسد. وهذا يستدعي تبيان هذه التبريرات وتوضيح أسباب حضورها متى ما تداخلت واشتبهت على الكثير منا. لا شك أن الحرص الشخصي على العمل بلا فساد أفضل ألف مرة من الإكثار من إنكار الفساد ثم فعله مع التبرير.

*نشر في الإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 5 يناير 2012

نبذة

Contributor

أرسلت فى إدارة وتحفيز, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: