الحرب ليست ضد الفساد فقط !!

سؤال : ما نشتكي منه دائماً هو : معايشتنا لوضع لا نريده ، فهل نعرف كل ما يجب “أن نريده” ؟. تم اتهام الفساد في محكمة “العامة” وديوان “الكل” ومعاملته بأنه العدو الأكبر ، ذلك المجرم “الكامل” الذي لا يهرب و لا يجزع ! وإنما يقف عِتياً ولا يخاف! يقضم الجذور ويقصقص الأوراق والأغصان ولم يبقي لنا أي فرع لتخرج منه ولو زهرة واحدة.

يخيّل لنا حين يتحدث الجميع عن الفساد بأن السرطان – كفانا الله ومن تحبون شره – أرحم منه ، فالكل يعانى من الفساد ، وكأنه شجرة سوداء ضخمة نعيش جميعنا تحت ظلها ، انتشرت طولاً وعرضاً ، ليس هناك فرصة ولو لنبته صالحة واحدة في تلك العتمة اللدودة! وهكذا ، أصبح الفساد معجز الأكثرين. عند البعض ، لا فائدة للعمل في وجود الفساد ، وعند البعض الأخر ، لا بد معه من تخفيف جوهر أخلاقيات الحياة !!.

أحد التعريفات العامة للفساد تصفه بأنه الخروج عن العدل والمثالية ، وقد يكون التعريف ضيقا جداً ليقول أن الفساد هو الرشوة لا غير ! أو أن يكون بين هذا وذاك كإطلاق الكلمة على كل السلوكيات الغير أخلاقية ، خصوصاً لمن يتحكم في ثروة أو سلطة. تكثر تعاريف الفساد وأكثرها إنضباطية ورواجاً هو ما يشاع في التشريعات الإقتصادية والدولية. توضيح ما نسعى لمحاربته في مجتمع كمجتمعنا السعودي مهم جداً ، حتى لا تزيد الأمور إختلاطاً. وُصِف مفهوم الفساد في “الإستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد” بأنه مفهوم مركب له أبعاد متعددة و تعريفات مختلفة ، وذكر كذلك في أول أهداف الإستراتيجية : مكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره.

الحرب ، أحد المفردات الأكثر إستخداماً بجانب كلمة الفساد ، هي دليل الورطة وقلة الحلول ، فالمتقي الحذر أو المخطط الجيد ، هو أفضل من يخفف من وقع الورطات على نفسه وبالتالي يتجنب الحروب. كل طقوس الحرب من إعلان وردة فعل وأخذ وضعيه الإستعداد وغيرها من التفاعلات الشرسة مع العدو تنشأ من إحدى حالتين، إذا (زودها عالآخر) وطفح الكيل منه أو إذا كان لا عدو غيره وأصبح حرفيا الحركة الوحيدة الظاهرة على الشاشة أمامنا! لا شك أن الفساد عدو خبيث ، ولكن هل إستفحل فينا حتى نعلن الحرب عليه؟ وطفح الكيل منه؟ و (زودها عالآخر)؟ الإجابة على الأرجح هي: نعم! و يظهر ذلك من كمية ونوعية الأحاديث عنه وإن لم تظهر دراسة علمية تقيس مدى و آثر هذا الإستفحال.

ولكن ، في الجانب الآخر ، هل الفساد هو العدو الوحيد لنا؟ بلا شك ، يستحيل قول ذلك ، فهناك الكثير من أعداء العدالة والإزدهار والكرامة والنمو. في الحقيقة ، إذا قارناه مع غيره من الأعداء، قد لا يعتبر أكثرهم إستفحالاً وتهديداً ، فبعض الظواهر الأخرى أشد فتكاً منه ، وبكثير.

ما نشكتي ويشتكي منه أي إنسان في محيط مجتمعه أو دولته هو الفارق بين ما يظن انه يستحقه وبين ما يحصل عليه فعلاً ، وهو تمثيل حقيقي لقيمة اللاعدل في الميزان الشخصي ، وفي الاجتماعي بطبيعة الحال الذي هو مزيج وخليط ونتيجة لشعور الأفراد أنفسهم. الفرق بين الواقع والتطلعات لا يسد إلا بالتغيير. والتغيير ، حتماً لا يقتصر على محاربة الفساد و إنما يكون بحل مشكلات أكثر تجذراً وتأثيراً. نستطيع النظر إلى المشكلات على أنها على مجموعتين، إحداهما بحسن النية مع الجهالة ، والآخر بسبق الإصرار والترصد. لاشك أن النوع الأول أسهل في المعالجة – بالتصحيح فقط – بينما الآخر يدخل في قائمة الخيانة والتجني وعلاجه عقاب وتهذيب وإصلاح. نحن على الأرجح أكثر إندفاعاً نحو وضع اللائمة على النوع الثاني من المشكلات أي (الفساد) و مثيلاته ، ولكن ليس على أنفسنا ، مع أن التصحيح يبدأ بعمل من الجميع ، بتصديق و صدق مع الفهم والعزم. هذه ليست دعوة لجلد الذات بقدر ما أنها إيضاح لأهمية العمل المتوازن العادل. فلا يصلح الحرص على نزع حواجز الماء و تنظيف مجاريه ثم التغاضي عن سوء قِرابنا و ضعف أوعيتنا، كيف إذن سننقل الماء و نحتويه قبل أن نشربه ؟.

من أهم المشكلات الموجودة في مجموعة حسن النية، تلك الظواهر التي تنتج عن الجهل بالشيء التي لو علم أصحابها بوجودها أو ضررها لعالجوها، فهم بلا شك، مخلصون وصادقون. من هذه الظواهر الهدر الإقتصادي والمالي ، وهو متعدد الأنواع والأسباب والدرجات ، منه ما يكون بسبب سوء التنفيذ و التشغيل ، ومنه بسبب نقص المعلومات ، ومنه ما يعود إلى البيروقراطية أو التأخر في مواكبة ماهو عصري و متغيير. يدخل في الهدر كذلك ، تكلفة الفرص البديلة والخيارات المتروكة ، الغائبة لغياب الضغط السوقي أو الإجتماعي أو التشريعي.

من المشكلات الأخرى كذلك ، مسألة اللافعالية وضعف الإنتاجية في مختلف أوجه حياتنا ، والتي تعيق كل المحاولات الإصلاحية للعمليات التنموية. التوازن شرط معتبر للإنتاج و الفعل ، إبتداء من المنزل إلى المدرسة و المصنع والمكتب. إن ظهر الإختلال في مكان واحد، تأثرت كامل المنظومة. ومن هذه المشكلات كذلك ، مسألة ثقة الأفراد في مسوغات التنمية وتناسق ذلك مع متغيراتهم الفكرية بناء على واقعنا بوضعه الراهن ، ومشكله سوء التنسيق والتنظيم للجهود المتفرقة التي تهدر في حد ذاتها طاقات عظيمة ، لو وجهت جيداً لوفرت علينا الكثير من الجهود والثروات والوقت. ويضاف إلى ذلك مشكلات أخرى كالتأهيل البشري المهني والتطوير التنموي للأفراد والمؤسسات خصوصا في المجالات التعاونية واللامنهجية وغيرها من الأمور الكثيرة التي تخلو في مجملها من علامات الفساد و يكتنز فقرنا فيها جهل و تجاهل غريب.

القائمة تطول بالكثير من المشكلات المشابهة التي لن تعالج في ساحة الحرب على الفساد ، وإنما هي نفسها – أي المشكلات – تطلب الحل المباشر الموجه لها بإستقلالية وجدية وإحترام. وعي الجميع – في المنزل أو الشارع أو الإعلام أو حتى الوزارات ، كلٌ وموقعه – بأبعاد هذا الواقع متطلب مهم ، خصوصاً معرفة الحدود الفاصلة بين القصور الناتج من الجهل أو القصور الناتج من الإستغلال ، قصور النفس أو قصور الغير ، قصور العمل المجانب للصواب أو قصور اللاعمل! إن تحديد كل مشكلة بوضوح وجدية ووضع الحل ، المعتبر للحالة الكلية والمنضبط زمنياً ، هو المخرج. لا شك أننا بحاجة لجهود تنسيقية ضخمة بين الجميع سواءً الأفراد أو المؤسسات حتى نستطيع حل كل هذه المشكلات بتوحيد رسائل التنمية وإطلاق ترسانات العمل والإنتاج ، بفعالية وكفاءة توازي الطموح وتحقق كل ما يجب “أن نريد”.

نبذة

Contributor

أرسلت فى إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: