إذا كنت داخل البيضة .. إحذر الملاعق !!

يصحو الموظف صباحاً في تمام الساعة الحرجة، حتى يتبقى له من الوقت ما يمكنه من تسجيل الحضور في الوقت المناسب. يصل إلى مكتبه، و ملامح وجهه تعكس ليلته و كل حياته، بكل فوضويتها وفراغها. من العلامات الواضحة على محياه : إضطراب و تهميش. لا تبدأ أخلاقه بالإستقرار إلا بعد القيام ببروتوكلات الإفطار الصباحي ، التي ترتبط بأشخاص محددين و برنامج منتظم لا يمكن تجاهله أو تغييره إلا بتنسيق مسبق. عادةً، تكون بنود الإفطار موزعة على أيام الأسبوع ، فكل يوم له صنف معين، من مصدر مختلف.

يبدأ الإفطار بعد بداية الدوام بساعة ، ضمانا لإكتمال أعضاء الفريق المشارك في هذا البرنامج الشيق الذي قد يستمر أكثر من ساعة. بعد الإفطار ، جولة سريعة على الأخبار ، سواء كانت حية ، جرائد أو تويتر! ثم يبدأ العمل الحقيقي بتخفيف الأثقال و إزاحة المتراكمات ، فهذا الموظف يرزح تحت وطأتها طوال حياته ، لأنها من أعمال اليوم الفائت الذي أجبرته الظروف على تأجيلها ، أو اعتاد هو ذلك. تلك المعاملات التي لا تريد أن تنتهي، تبقى فوق مكتبه لسبب ما ، كل يوم.

بقية القصة مُشاهد و معروف ، بما فيها صور ومشاهدات ، فهي بالتأكيد تَخرج من حياة لا سمة لها إلا فوضى الأهداف وهدر الطاقات ، لها روح مكبوته خجولة ، لا تُعطى فرصة التجسد و الظهور إلا في أربع : ضحك و سخرية أو مطالبات و تذمر.

أما الموظف الثاني ، فهذا دائما يصحو من النوم في الوقت المناسب ، يفطر بسبع تمرات و كاسين من الماء ، فقد قرأ في مدونة صديق له أن شرب الماء بكميات كبيرة مفيد جداً ، أو كما يدعي اليابانيون ، عموماً ، هذه العادة تشعره بإرتياح كبير. ينطلق إلى مقر عمله الذي يبعد 45 دقيقة عن منزله و يصل قبل موعد الدخول بـ 12 دقيقة. لا يوقع و لا يدخل بطاقة في آلة ، فهو يعمل في مكان لا يسجل الأوقات ولا يحاسب على التآخير ، ومع ذلك لا يتأخر. لأنه يتعامل مع ساعات صباحه الأولى بجدية ، ورغبة شديدة في الإنجاز. حتى أنه قد يقرر بعض أفكاره و يمارس نشاطه الذهني بعمق ، قبل أن يقف أمام مرآته.

لا يطيق الإنتظار حتى يصل إلى مقر عمله. حماسه ، كحماس الرياضي للفوز والأطفال للعب والمجتهد لإستلام شهادته ، كل يوم! أحياناً ، تحاسبه المنشأة بشدة و بقسوة، و لكن حسابها يكون على الأداء والإنتاج ، وليس على الحضور و الغياب. لم يكن مكان عمله مدينة ألعاب أو غرفة تمنيات، و لا قاعة فخامة ، أو ملتقى تواصل ، وإنما هي ساحةٌ مغطاة رَحِبه ، تضيق بوحدات العمل ، أو تلك المكاتب الصغيرة المعكبة ، مليئة بالمدراء.

فكل الموظفين مدراء و مسئولين ، عن أعمالهم فقط. لدى هذا الموظف أهداف مكتوبة في أوراق دائرية ، ملصقة على ورقات أجندة التقويم التي يحملها في كل مكان. من هذه الأوراق ما هو موزع بعشوائية ، مكتوب عليه : “هدية أمي” و “الإتصال على العميل” و “تنسيق الرحلة مع الشباب” و منها ما هو مخفي في أخر الأجندة ، ينظر إليها من حين إلى آخر ، كورقة “التسجيل للشهادة المهنية” و “مشروع التواصل العائلي” وغيرها كثير. حياته بإختصار ، معنى وديناميكية ، لا تنتهي.

تتفاوت الصور و يختلف الناس، و لكن مما لا شك فيه، أن أصدقائنا أعلاه على طرفي النقيض، و أكثرنا، مقارب لأحدهما، أو في موقع خليط بينهما. الخبر الذي أسعدني و يسعدكم بلا شك، هو أن الموظف الأول و مشابهيه في تناقص مستمر، و أصحاب الصورة الأخرى في تزايد جميل. هذا واقع في الحقيقة، و لكن بعض السلبية الرائجة ما تزال تؤخر وتُبطئ من هذا النمط الرائع. خصوصا إذا أَعلن أحدهم إكتشاف أسباب الكآبة العتيقة والفساد المقيت واللافعالية المميتة ، وطالب بطردها شر طرده، ثم شهر عنها وفصّل في الصحف والمواقع والمجالس ، وبذل الجهد كلاماً و فكراً وتكراراً ، مغرداً بأنامله فخوراً منتشيا ً: هنا الخلل! خسئتم! هنا الخطأ! هنا المشكلة! لماذا؟! ثم ينهي كلامه سريعاً، و ينضم إلى صديقه في المشهد الأول!.

تكثر الأسباب و تبدأ من أصول المشكلة ، ولكنها تنتهي دائما عند هذه اللحظة، التي نفكر فيها بطريقة أخرى. فنحن نعيش في محيطٍ حي ، ملئ بأسباب متجددة ، و بيئة مغايرة لتلك التي استولدت الكآبة في أنفس الموظفين ، وجعلتهم يصنعون قشراً أبيضاً جميل الظاهر ، مغلق بأحكام ، ويُدخلون أنفسهم بداخله ، كالبيضة تماما! يتنقلون بين الأطباق حتى تفتك بهم ملاعق الحياة!.

بينما هناك آخرين، كالكرات الزجاجية ، لهم وزن وثقل ، يتميزون بالمرونة العالية والمقاومة العقلانية. يتركون آثرا حيثما حلّو ، تميزهم أعمالهم قبل أي شئ آخر. أزاحوا كتلتين من طريقهم بالكامل. الأولى ، كتلة الفراغ. والثانية ، كتلة التذمر. فإنشغالهم بتحقيق أهدافهم ، وتركيزهم على كل ما هو مفيد وإيجابي ، وتقبلهم لواقع بيئتهم وحياتهم ، ومواجهتم لهذا الواقع ، مهما قسى أو ساء ، جعلهم يتجاوزن أكثر المطبات ، وبالطبع ، ضمنوا أن لا تفتك بهم الملاعق! فبيئتهم كما يرونها ، لا بيض فيها ولا قشور، وإنما شفافية متناهية ، يروا بريقها وإن لم تستغل بعد.

يطلقون عليها “إيجابية” وهي ما يبشر بأنواع الإرتقاء في الإنتاج والأداء. “فعالية” منثورة لمن يلتقطها ، “ضغوط” تجعل للعمل معنى و جمال. تكامل و تحديات تبحث عن من يريد التفكير والإنجاز. شبكات فوق شبكات ، فقط ضع أقدامك و انظر أين تنطلق!.

لقد أُطلقت إشارات السبق وتوفرت العناصر جميعاً. وعلى كل من يريد أن يتذوق معنى الحياة، أن يخلط المكونات بإيمان وإرادة. البشرى قد أتت ، و الجميع مستعد. الكآبة قد حلت بيننا لبرهة ، وتملل الكل من وجودها ، نعم ، كُشِفت الصحف ، وعُرف المستور ، وتناقل الكل العيوب و الجروح. و لم يبقى إلا قرار توديعها – أي الكآبة – وتفتيت القشور الأخيرة ، والإندماج في الواقع الحقيقي ، بالعمل والتنفيذ ، لنأكل التمرات ، كما أُريد لنا أن نكون.

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيرفكري, إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع
3 comments on “إذا كنت داخل البيضة .. إحذر الملاعق !!
  1. أولا احب اشكر حضرتك ع المدونة الرائعة ده والتى استفـد ت منها كثيرا جدا جدا
    ثانيا .. لما اصلا العمل عبادة وكمان العمل متعة ليه الناس مبتخلصش فى عملها او ليه بتتهرب منه ويجيو يشتكو ان الفلوس مش مكفياهم و العيال و معرفش ايه .. طاب ماهو لازم عشان هما مبيخلصوش فى عملهم ربنا يعقبهم بأن الفلوس متكفيش و .. و .. و .. والمشاكل الكتيييييييييييير اللى احنا عرفينها ده لان الجزاء من جنس العمل و اللى حه بلاش راح بلاش …

    موضوع جميل جدا ورائع جدا مشكور

  2. انا لم اقل سوى الحق يا استاذ طلال
    فعل جزاكم الله خيرا ع هذة المدونة الرائعة التى اتستفيد منها كثيرا فى حياتى !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: