إعادة التفكير: بعد جديد و أفق لا ينتهي

مدخل: معرفه كل الطرق المؤديه الى منزلك أساس للحياة، حيث أن جهلك بها يعرضك للضياع و أنت في نفس مكانك! و قد يحرجك مع نفسك! و يضيع عليك فرصه إستفادة على بعد خطوات قليلة! هذا ماقد يحصل لحياتك و أهدافك إذا لم تنمي مهارات إعادة التفكير و تعود نفسك على إستخدامها.

في القران الكريم هناك دعوة دائمة للتامل والتفكر و الاعتبار بالقصص. في المنهج العلمي الحديث، تعتمد النتائج على تفسير الأدلة و القرائن و التفكر العميق و الموضوعي فيما قد تعنيه و مايمكن الاستدلال به. عند المحبين و الرومانسيين، إعادة التفكير و فلترة الواقع بمنظار وردي و تصديق ذلك هي الحب. و حتى عند المصلحين و المعلمين و المرشدين يستطيع الشخص استنباط العبر و الحكم و الدروس بالتفكير متعدد الزوايا. بل حتى عند رجال الاعمال و مدراء المشاريع يكون التفكير خارج الصندوق هو المنقذ في كثير من الأزمات و الموقف التي تستدعي قرارا صعبا.

ان كل ما يجمع العبارات اعلاه هو مسألة إعادة التفكير لنفس الشيئ (الموقف) و لكن بطريقة مغايرة تجعلك تلاحظ اشياء اخرى او تصل لنتيجة مختلفة. و الإعادة هنا شكلية و ليست زمنية حيث أنها لا تعني بالضرورة إعادة التفكير بعد إنتهاء محاولة التفكير الأساسية و إنما هي تجربة التفكير بإستقلال عن الأفكار و الإعتبارات الإعتيادية و العفوية. هذا النوع من التفكير يعتبر من المراحل المتقدمة لإستخدام العقل البشري و إستغلال إمكانياته، لذا وصف القران أصحابها بأولى الألباب، و لكنها ليست حكرا على احد و انما وجهها الشارع لجميع الخلق في سياقها القرآني. كما أشرنا، هي ليست إعادة حرفية للتفكير و إنما خروج عن المعنى المباشر والبسيط له خصوصا ما قد يتبادر للذهن في اول وهلة. و هذا يتطلب قدرا من الصبر و الهدوء و السكينة، لذا تجد ان من اعظم صفات الحكماء الهدوء و الحلم و الصبر و التأني. فهم يملكون القدرة على تقويم الامور و معرفة مدلولاتها وكشف ماتخفيه لانهم يقومون بإعادة النظر و التفكير بأكثر من طريقة و يعطون أنفسهم الوقت و الهدوء اللازم لذلك.

قد يختلط التأمل في هذا السياق مع اعادة التفكير ولكن لنستبعد كلمة تأمل قليلا حتى لا يٌعتقد ان المقصود هو الهرب بعيدا عن الناس و الإنعزال ثم تركيز التفكير في مسألة واحدة بتعمق شديد حيث أن هذا فيه إختزال شديد جدا للمهارة المطلوبة.

إعادة التفكير هنا تحدث حينما تضع تفكيرك الاعتيادي جانبا و تستخدم ما ينتجه عقلك و يفكر به خارج السياق ( بزاوية اخري و من منظور مختلف). خلال ذلك، قد تدرس الكثير من المعطيات المختلفة و تتجنب ماقد يشوش تفكيرك و تتنبه الى بارادايم كل من حولك بما فيهم انت. هذه بعض الامور التي تعتمد عليها اعادة التفكير و في الحقيقة، هي أكثر من ذلك و تنوعها إبداعي لا ينتهي. المسألة تعتمد مثلاً على مهارة تحويل الحدث العادي جداً الذي قد يحدث بمجهود فكري بسيط الى موقف عظيم له اثر كبير جداً في حياة الشخص. صنع التأثير على النفس و الغير هي بلا شك احد الغايات التي يطمح لها كل من يريد الإنجاز و النجاح و التغيير. و لكن كيف تختار وتحدد الموقف (ذلك الحدث البسيط) و ما هي الطريقة التي تجعلك تُكون التأثير المطلوب؟

لو افترضنا ان الحياة لها اكثر من بعد، اضافة الي الزمان والمكان و كل الامور الفيزيائية و الروحانية الاخرى. احد تلك الأبعاد قد يكون من تصميمك انت، لتبسيطه، تخيله اطار زمني مختلف او واقع مكاني مغاير لنفس احداث عالمك التي تمر بها. لنفترض انك شاهدت فيلما او قرأت خبرا او عشت موقفا خلال يومك، كل ماعليك فعله هو اختبار و تقييم هذا الموقف من خلال البعد الذي قمت بتصميمه و الذي يخدم أهدافك الخاصة بك.

فلو انك، مثلا، شاهدت فيلما عن نهاية حضارة المايا في امريكا الجنوبية بدراما و أكشن مبالغ فيه و مشوق*. تبدأ القصة  بالصراع الناتج عن العادات و الطقوس الجاهلية و توضح كيف يتم استعباد الناس قسرا و تقديم بعضهم اضاحي لآلهة الشمس، تابعت الفلم لآخره، حصل الشد المطلوب، تأثرت و استمتعت ثم انتهيت. بإعادة التفكير هنا تضع ما شاهدت في اختبار البعد الذي صممته، و تجعلك تخرج من فكرة أن ماشاهدته مجرد “فلم”. ماذا لو ولدت انت في ذلك الزمان أو المكان؟ ماذا لو تم اختيارك كأضحية؟ ما رأيك في الظلم في هذه الحضارات الجاهلية؟ ماذا لو أسندت إليك مهمه تحرير المظلومين في هذا البلد؟ هل ماتملكه الان من حقوق و امتيازات معيشية يجعلك تنسى ما يعيشه غيرك من ظلم و عذاب؟ ماهي ادني الامور التي قد يطالب بها أبسط انسان؟ امن و أمان؟ اسرة و سكن؟ متع و رياضه؟ غذاء؟ هل املك أنا اي منهما؟ هل يوجد و لو فكرة صغيرة جدا أو درس تستطيع إستنباطه من الفلم و الإستفادة منه؟ هذا ليس بإعطاء قصة الفيلم الخيالية أكثر مما تستحق من التفكير و إنما بالتعامل بجدية مع مشاعرك و إنفعالاتك و إنعكاسات ذلك في حياتك مباشرة. فتتعلم بتنمية هذه المهارة التحكم في كثير من هذه الأشياء.

مثال اخر. قابلت احد معارفك الذي لم تره لأكثر من ٧ سنين. التغيير واضح جداً في كلامه و شخصيته و  شكله. تحدثت معه و تناقلتم الاخبار و انتهى اللقاء. فكرت قليلا في حاله و قلت في نفسك سبحان الله. انتهى الموقف بالنسبة لك. و لكن اذا اعدت التفكير و نظرت الى هذه المسألة بإعتبار بعد اخر جديد اخترعته للتو. هل هذا الشخص الذي أعرف شعر بنفس الإحساس تجاهي؟ ماذا عني انا؟ هل تغيرت شخصيتي خلال السبعة سنوات الاخيرة؟ الي اي حد تغييره؟ ولماذا؟ هل هو للأفضل ام للاسوء؟ هل يشبه تغييري تغيير هذا الشخص؟ ام يوجد فرق؟ لماذا  يتغيير البشر؟ هل التغيير مستمر و ليس لنا فيه اختيار؟ هل استطيع ان احدد على الاقل اتجاه التغيير؟ هل أنا في تغيير على كل من حولي و يشعرون هم بالتغيير و لا أشعر أنا؟ هل لهذا الموقف تأثير علي؟

مثال أخر. أتتك رسالة على هاتفك: (توفى شخص في العائلة، سيتم الدفن بعد صلاة الفجر، إن لله و إنا إليه راجعون) تقول لمن بجوارك، فلان توفى، الله يرحمه، الدايم الله، رايح الدفن؟ و لا بس العزاء بعد المغرب؟ تفكر في ما حصل بحزن لأقل من 15 ثانية ثم تكمل حديثك الذي إنقطع وقت إستلام الرسالة و كأن شيئا لم يكن. لو أعدت التفكير هنا فإن أفضل موقف تتخيله هو أن تحمل الرسالة إسمك. فكر؟ هل سيكون للموقف تأثيرعليك؟! بعد أخر تستطيع النظر من خلاله الى هذا الموقف، هو هذا الشخص المتوفي، هل كان يحمل رسالة؟ لتربية أبنائه، مثلا؟ هل نجح؟ ماذا يجب أن يحقق الشخص حتى يموت برضى؟ هل هو أن يحقق ما يريد؟ ماهي الإرادة هنا؟ رغبات؟ أم يحقق الحد الأدنى المقبول من العبادات؟ أم يكون ممن يشار إليهم بالبنان؟ كيف يتم تحديد ذلك و على أي أساس؟

بالطبع إعادة التفكير لا تقتصر على طرح التساؤلات فقط و لا يجب أن تكون بعد حدوث الحدث أو الموقف و إنما قد تكون قبله أو خلاله بأسلوب التحليل أو المقارنة أو غير ذلك. قبل الحدث، على سبيل المثال، حين تخطط أو تقترب من إتخاذ قرار فتضع كل معلوماتك في في أليه تقييم مختلفة عن ما أعتدت عليه. فتنظر ماذا يعني القرار لغيرك و قد تقارن أسلوبك الحالي بتجاربك السابقة مع التركيز على الأسباب و النتائج.

إن هذا النوع من التفكير الاعمق درجه من غيره هو مهارة تستطيع إكتسابها و الإهتمام بها و التعود عليها. تستطيع تنفيذه في مختلف البيئات و المواقف و بشتى أنواع الطرق التى قد تصممها أنت بنفسك. أعلى مواطن إستخدام هذه المهارة هو التفكر في آيات الله التى يتجلى به إستخدام العقل و تمازجه مع الطبيعة و المخلوقات و إنعكاسات ذلك على الإيمان القلبي. كثرة التساؤلات و التفكير المستمر المتفاعل و إعادة النظر هي من علامات القلب الحي و العقل المنتج الذي يعرف كيف يستخدم إمكانياته ليتفاعل مع من حوله بطريقة أفضل. هناك من يصنع السلبية و الإحباط و يجعل الأرض أضيق بما رحبت بتفكيره، و هناك من يطير كل صباح في سماء تشع ضياء و تتلألأ نجوما، الفرق مجرد إختيار. إعادة التفكير تحررك من قيودك التى صنعتها أنت أو صنعتها الظروف يوما ما في عالمك، فتزيد من إستقلالك و تمرن دماغك على تأديته لمختلف إحتياجاتك الفكرية و تجعلك تملك عدة نوافذ ترى منها العالم ثم تعرف أين تضع قدمك في جميع خطواتك المقبلة.

* المثال أعلاه مقتبس من مشاهدة فلم (Apocalypto) من إخراج ميل جبسون.

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيف نفكر, كيرفكري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: