البارادايم…نظارة العقل و إستراتيجية التعامل المربحة

 

قبل شرح معنى الكلمة و تبيان الفائدة أريد أن أقول أنك قد تعرف مسبقا الخطوط العريضة لفكرة البارادايام و قد تكون ذكرتها أو مارستها حقيقة أو مجازا في حياتك من قبل. و هذا طبيعي، لأنها ليست شئ جديد مُخترَع و إنما تعبير لوصف واقع مُكتشَف. المطلوب منك بعد أن تعرف معنى الباراديام هو أن تحسن التعاطي مع واقع حياتك و أن تتعامل مع أمورك بطريقة أكثر تحكما و فعالية. و لو تخيلت معي أن تصرفاتك و إنفعالاتك و أعصابك هي كتلة محسوسة تستطيع مسكها بيدك و دفعها في طريق ما ليس له جوانب أو حدود، فبمعرفتك ببعض المهارات و بتحكمك بمشاعرك و عواطفك تستطيع أن تجعل هذه الكتلة المحسوسة متزنة دائما لا تتمايل في طريقها أو تخرج عن الخط المستقيم و تكون الحالة الدائمة فيه (روقان) و (رزانة) و (هدوء) و (إطمئنان). فِهمك للبارادايام و إعتبارك له هو أحد هذه المهارات المهمة جدا، فما هو الباراديام؟؟

البارادايم هو مجموعة المكتسبات و المعلومات و الخبرات و الإعتقادات و الانظمة التى كونها الإنسان في عقله من خلال معاصرته لها و هي التى ترسم حدود تصرفاته في مختلف المواقف. أحد أكثر الأمثلة الشائعة له هو سوء الفهم الذي يحصل بين شخصين من ثقافتين مختلفتين. قصة قيس الذي تزوج ليلى من القصص المعروفة  التى توضح الصورة. تزوج قيس بن عبود بفتاة إسمها ليلى جميل. ذهبت ليلى لزيارة زميلاتها و حين أتى وقت عودتها في أخر الليل أتصل قيس على الهاتف و سألته سيدة المنزل من أنت؟ فقال لها أنا قيس. قالت له: ماذا تريد؟ قال: أريد ليلى! بالطبع، بعدما قالت له: ياقليل الأدب! قفلت الهاتف في وجهه. فسيدة المنزل هنا تملك بارادايام مختلف تماما عن ما يملكه قيس المتصل و هو أن صورة قيس و ليلى لديها هما الحبيبان الأسطوريان و ليس أشخاص عاديين جدا.

و لو ذهبت  أنت و أصدقائك الى شاطئ البحر المكتظ بالناس تجد أحدكم يفكر في جودة رمال الشاطئ للعب الكرة الشاطئية بينما أخر يفكر في كمية الصيد الموجودة في هذا البحر و قد ينظر بعضكم الى الناس و يفكر لماذا المكان مزدحم بينما أخر ينظر الى الناس و يفكر في علاقة الإنسان بالبحر و مدى إستغلاله للطبيعية و إستجمامه بها. فتجد أن كل شخص ينظر الى نفس النطاق المحدد و لكن يفكر بطريقة مختلفة خاصة به.

و قد يطلق على البارادايام نظارة العقل لأنها الطريقة أو الفلتر الذي ننظر عن طريقه الى مختلف المواقف. و هو في الحقيقة في تغيير مستمر لأنه يتغذى على المواقف و الخبرات التى نمر بها. لذا يختلفون البشر في تعاملهم مع نفس الشئ و يحدث التوتر الذي تحدثت عنه في مقال سابق. و هذا الإختلاف يكون نسبي في العادة و أحيانا كلي. و كما هو كأس الماء الممتلئ نصفه بالتمام، قد يقول أحدهم أنه فارغ و أخر يقول ملئان.

الشاهد من هذا الحديث، كيف تستفيد أنت من هذا الموضوع؟ في الحقيقة موضوع البارادايم قابل للجر على العديد من مهارات التفكير المختلفة التى و على الرغم من بساطتها قد تقلب حياتك شكلا و معنى. فأكثر خلافات الأزواج و مشاجرات الأصدقاء و الجدران المسدودة في إجتماعات الأعمال، و حديث الأبناء لأولياء أمورهم يكون العائق فيه إختلاف البارادايم، فالطرفين بقدرة عقلية متقاربة و يتناقشون على موقف واحد محدد و بيّن ثم لسبب ما يختلفون، حتى يستغرب احدهم، لماذا لا يرى الأخر المنطق الواضح؟؟

لذا (الحل الأول) كل ماعليك هو أن تكون مستعد لتغيير عدستك! أو نظارتك في حال إحتجت الى ذلك أو (الحل الثاني) إقناع الطرف الأخر بتغيير عدسته البارادايميه!

يقسمون الناس في تعاملهم مع البارادايام الى مبدعون، و نمطيون، و رواد. كل له طريقته و أسلوبه تجاه القائم لديه و الجديد من البارادايام.

  • حيث يقوم المبدعون بالتنقل بين البارادايمات بسهولة بدون نقاشات كثيرة، طريقتهم مرحة و الواقع و التحفيز و التجربة تثيرهم. يحتاجون للدعم و إحترام فكرتهم و التفاعل المستمر المتبادل.
  • أما النمطيون فهم أهل الكلام و النقاشات الطويلة الجدلية هدفهم في الغالب إثبات خطأ الفكرة الجديدة. يصف وضعهم أحد العلماء بما يسمى بالشلل الإداراكي فهم ليسوا (عبيطين) بالنية و الإصرار و إنما يعانون من صعوبة حقيقة في فهم و إستيعاب الجديد. لذا أفضل طريقة معهم هي الإنصات حتى تكسب ثقتهم ثم تعرض لهم فكرتك بأكثر من طريقة حتى توافق أحد زوايا بارادايمهم.
  • أما الرواد، فهم الأفضل في الحوار أصحاب المرونة العالية و التقبل الواضح لأفكار غيرهم لإمتلاكهم الحدس . يحسنون التعامل مع المبدع و النمطي و ينجحون في ذلك دائما.

تغيير عدستك البارادايميه هو بمعنى أخر إستعدادك الشخصي لتكوين بارادايم جديد و هذا بالطبع يتطلب شجاعة و إرادة، إذ أن الإنسان يتمسك دائما بما يعتقد أنه يعرف و يرفض التغيير بجهله و رغبته في الأمان. و حتى تزيد قدرتك من الإستعداد الشخصي (لتغيير عدستك) و تكوين البارادايم الجديد:

  • حاول تقبل الإنتقاد و الخطأ فيما تقوم به، لا تغيير مبادئك و لكن راجع أسلوب تفكيرك و زاوية نظرك للأمور و حاول تغييرها دائما مع المقارنة المستمرة بينها و بين أساليبك القديمة.
  • تأكد أن أغلب الأسئلة لها أكثر من إجابة صحيحة. و رأي الناس مهما شذ بالنسبة لك، فله شرعية و سبب يجب إحترامه، أنت فقط الذي قد لا يراه أو يدركه بسهولة.
  • لا تحكم على الناس أو الأحداث بسهولة و إستعجال و تذكر أن كل واحد يقوم بتصرفاته بناء على بارادايمه. تجنب التعميم و لا تعتقد أن أغلب الناس أغبياء و أنت الذكي أو العكس.
  • غير مجلسك و قناتك في التفاز، غير كل شي عادي في حياتك، واجه نفسك، و تعلم مهارة التحدث مع ناس يختلفون عنك عمراً و فكراً، لا تكن شخص عادي جدا Typical  و تتمسك “بعاديتك” بقوة و كأنها ستجعلك أكثر سعادة أو نجاحاً.
  • تعرف على المحيطين بك و حاول معرفة أي نوع من الأشخاص هم  (و لا تنسى تحديد نوعك أنت) و خذ هذا دائما في الإعتبار. احترم الفروقات بينك و بين غيرك و تعلم إدراك ذلك و إنعكاساته على تصرفات الناس.

حين تفعل هذه الأمور ستجد نفسك أكثر قدرة على التعامل مع ما حولك بهدوء و سلاسة، ستكون أكثر الأحداث إزعاجا في العادة، مجرد موضوع بسيط تستطيع تفهمه و التعامل معه بدون أن يضايقك. و هذا من اجمل ماقد تلاحظ حين تراعي البارادايم.

من قيم الإسلام المعروفه الصفح و العذر و العفو و هي جميعها أفعال نبيلة حث عليها الدين لفائدتها الناس و أثرها الطيب، و حين تنظر الى إختلاف تصرفات الناس و إختلاف البارادايمات و إختلاف فهمهم و إدراكهم تجد أنه لابد في بعض المواقف من الصفح و العذر و العفو…

ذكرت كلمة (تبينوا) في القران العديد من المرات و هي من بيان الشئ قبل الحكم و يقصد بها التأني و التأكد من الخبر و الثبت منه. و هذا الدرس يفيد بعدم الإستعجال في إطلاق الأحكام و قد يستلزم عليك أن تنظر في ظروف من يأتيك و محيط تفكيره و واقع موقفه و قصته، و قد يستلزم عليك أن تتخيل ذلك و تتصوره أو حتى تدرس إثباتاته و معطياته، حتى تستطيع أن تصنع لنفسك فهماً مناسباً و إدراكاً جيداً يمكنك من إتخاذ قرار أو إطلاق حكم.

قال ابن سيرين: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد له عذرا فقل لعل له عذرا. أنظر الى كلمة (لعل) و ما قدر الأدب و الفن في التعامل في نظر ابن سيرين و تقدير أمور الغير فيها.

و معروف نص (التمس لأخيك المسلم 70 عذرا) ( و هذا ليس بحديث) و إنما من الأدب و الاخلاق الحسنة التى و كأنها تقول لك أنتبه! فأخوك يملك بارادايم أخر مختلف عنك، لا تنسى أن تعذره و تتفهم وضعه فهو لا يرى الأمور كما تراها أنت و بالتالي لا يستطيع الحكم عليها بنفس الطريقة.

روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً) يعني عمر رضي الله عنه، حتى لو إحتمال واحد فقط، فقط إحتمال واحد، أجعله لأخيك و أصدق ذلك مع نفسك. و هذا عكس سوء الظن و من أقوى درجات التفاؤل و فيه تتجلى حكمة الشخص و سعة عقله و إداركه.

نختتم بقول الشافعي:

سامح صديقك إن زلت به قدم ***  فليس يسلم إنسان من الزلل

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيف نفكر, كيرفكري
2 comments on “البارادايم…نظارة العقل و إستراتيجية التعامل المربحة
  1. بدور كتب:

    جميل ،

    فهمي للبرادايم من المقال ،
    طريقة تفكير الشخص بالشيء او الموقف الذي امامه او المعتقد او الصوره التي كونها عن الشي ، وتختلف التصورات والمعتقدات من شخص للاخر.

    شكرا.

    • طلال كتب:

      نعم، هذا تصور جيد لمفهوم البارادايم وهو يختلف من شخص لآخر بناء على تراكم تجاربه ونظرته إلى هذه التجارب المختلفة، ممتن لمرورك وتعليقك، أهلا بك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: