التشتت القاتل و الثواني العابرة

يسعى أغلبنا في هذه الحياة الصاخبة الى أن يقوم بماعليه من واجبات و يستمتع و يسعد بما يحل له من إستحقاقات، بناء على وجهه نظره. و مع الإختلاف النسبي بيننا في ذلك، نشعر – في الأغلب – بإننا لم نحقق مانصبو إليه بعد. هذا الشعور حقيقي، حيث أنه من طبيعة النفس البشرية النظر الى الأفضل دائما، و أحيانا الطمع. إضافة الى أن الأوضاع المحيطة و الزخم الإجتماعي و التأخر الأممي جعل تحقيق المراد من شبه المستحيلات، و لا يكون إلا للقليل من المحظوظين (أو العقلاء). و إن كانت الأوضاع كذلك على المستوى الفردي، فهي موجودة على المستوى الجماعي. لذلك، نحن لا نكون على الأغلب في رضى عن إنجازاتنا الأسرية أو الثقافية أو على مستوى الأصدقاء و الأنشطة أو المدينة و الدولة، لذا يشمل هذا الإحساس جميع الدوائر المحيطة بنا.

يصبح الوضع مزعجا إذا بدأ الشعور بعدم الرضا يتفاعل مع نتائج أفعالنا على أرض الواقع. فتجدنا دائما نشعر بالملل أو الضيقة ثم لا نقوم بأداء ما كنا سنؤدي قبل هذا الإحساس. نغضب أحيانا فنخطئ، أو يغزونا اليأس فنقاطع أحلامنا و نوايانا و نتخلى عنها و نرميها. أو يصبح التهكم على الذات الشخصية أو الذات الإجتماعية معول هدم بنياننا الفكري، و بنيان من حولنا أيضا! و العجيب في هذه المشكله انه كلما إكتشفناها اكثر تعمقنا فيها أكثر، على عكس بقية المشكلات التى كلما عرفنا منها شيئا سارعنا الى حله و الخلاص منه. لذا تجد الكثير يتحدث في المجالس عن معوقات التنمية و شواهد التخلف، و لكن إذا قفز أحدهم و قال أنا لها و أتى بفكرة إيجابية ضحكوا عليه و سخروا منه، فهم منغمسين في اليأس و الإحباط، لا يصدقوا البته أن ما يتحدثون عنه قابل للتغيير و أن التغيير من أنفسهم، قال تعالي: (إِنَّ الله لا يغيِّر ما بِقومٍ حتّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم). و قال تعالي: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ).

بالطبع – و كجزء من الزخم المحيط بنا- هناك الكثير من الحلول و الدراسات و المتخصصون. الأطباء النفسيون و الاخصائيون الإجتماعيون و مدربوا التطوير الشخصي و المفكرون و المعلمون و أصحاب الفكر النير تجدهم حولك أينما كنت في وسائل الإعلام المختلفة و على رفوف المكتبات و حتى في الدروس الحياتية اليومية لنا. و هذا كفيل بحل هذا النوع من المشاكل بغض النظر عن مستواه. و لكن السؤال: هل لدينا الوقت حتى نحاول؟ بالطبع لا فأغلبنا مشغول و جدوله مزدحم.

في الحقيقة هي ليست مسألة وقت. فالوقت الذي يُعطى لنا هو نفسه الذي يُعطى للغرب المتقدم أو للسابقين من العلماء العباقرة. و هو نفسه الذي يُعطى للناجح و الفاشل و المنجز و المعطّل. بكل وضوح، الموضوع يتعلق بمسائل ترتبط بالتنظيم و التركيز و السيطرة على الأحداث مكانا و زمانا بعد التخطيط و المتابعة على المستوى الشخصي. و بالطبع أدوات إدارة الوقت و الأولويات و أسس التنظيم و التركيز و موازنة التصرفات و رفع الإنتاجية كلها مواد و وسائل متوافرة بكثرة يسهل الحصول عليها، كما أوضحت في الفقرة السابقة. و لكن مره أخرى: من الذي لديه وقت لكي يقرأ أو يخطط للتغيير؟ يبدو الأمر و كأنه معضلة أو ورطه ( قد يفضل البعض تجاهلها بالكامل) حيث أن حل المشكله هو المشكله!

و هذا ما يفسد الثمر و يجمد المصالح و يخبو بالازدهار و النجاح و يطلق اليأس و الملل و ماهو أبعد من ذلك و العياذ بالله. لذا تموت الحياة في الفرد حتى و إن لم يمت الجسم. فيصبح كالوادي ذو المياه الأسنه. أستقرت مياهه، ولا تلبث أن تنقص و تتبخر أو تَعمُر بالبعوض و الروائح. و قد عزّى نفسه ببعض الحشائش التى تنمو على أطرافه معتقدا أنه لا مجال للتغيير و لا داعي للتفكير فالوضع سيئ و التعود عليه مقبول معقول.

و لكن فعل ثواني عابرة قد يكون تأثيره أفضل من الحلول و الطرق المباشرة. قد تأخذ منك الدورة التدريبية 15 الى 20 ساعة و لمدة أسبوع أقل أو أكثر. قراءة كتيب قد تأخذ 3 أيام بمعدل ساعة أو نصف ساعة يوميا. و سماع محاظرة ساعة. و إذا أتيت الى التطبيق قد يصعب الموضوع أكثر من ذلك. و لكن ثواني بينك و بين نفسك – في البداية- قادرة على صنع الفارق. فهي المحركة لمجهوداتك و وقود طاقاتك. إبحث عن الحافز في داخلك و إستغله و إستثمره. بالتفكير و المراجعة تستطيع فعل ذلك بسهولة و لا مانع أن تستخدم ما تريد من حاسب أو قلم و لكن التفكير هو الحل.

إن التفكير لا يستهلك طاقة ولا وقت. ففيه تتجلى القدرة الخيالية في معالجة الدماغ للمعلومات. و يقبل دماغك منك ببساطة كل ماتريد من تفكير، فلا شيئ يمنعه أو يتحكم فيه غيرك. من الحقائق المثبته أن فكره ثانية أو أقل غيرت حياة كاملة لشخص أو حتى أمة. لذا كل ماهو مطلوب منا أن نفكر في أنفسنا. إجعلها إختلاء بذاتك، أو مراجعة لأحوالك، أو تقييما لنفسك، أو تفسيرا لرغباتك، تمرين إسترخاء، أو محاولة نجاة، فكر كما يحلو لك. ولكن فكر قبل أن تفكر و تذكر أن: التغيير أمر به الشارع، و نجحت به الأمم. الرغبه و العزيمة ليس حصرا على أحد، يحوزها الكل و لكن يفّعلها من قد تظنه أهون الناس. فكر في فردك و تذكر أن فكرتك هي قلب أفعالك و أفعالك هي مكائن الإنتاج في عالمك. و عالمك لا ينهض و يحقق مايريد الا بفكرك أنت. لا تنسى أن واجباتك الحالية لن تزيد أبدا و لكن بعد تفكيرك الإيجابي ستتعاظم إمتيازاتك و مواطن تحقيق السعادة تصبح تحت قدميك و القناعة بين يديك و الرضا يكون علامتك السائدة.

يجب أن لا نجعل التشتت القاتل يأخذ مننا الحياة التى نعيش، فقليل من الأفكار، يرفعنا فوق الهمم، ثم يرفع معنا الهمم. يركز رؤيتنا، يجعلنا نقرب أو نبعد النظر، كيفما نريد. يجعل الأحلام حقيقة و الانجاز و سيلة و النجاح تحصيل حاصل. تذكر، إن القليل من التغيير بتمهيد الارض و فتح المشارب و إستقبال الخلق من شارب و داعي سيبعث بالتفاؤل و يرسل ازكى العبير و ينزل البركة لترمي الطيور ببذور الورد في أحضان حبات التراب الذهبية و أحاسيس السعادة جاذبة سحاب الأمل لا الملل الى الوادي الجميل الذي نعيش.

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كيرفكري, التحفيز الذاتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: